الإثنين، ٢٣ نوفمبر، ٢٠٠٩

وما يسطرون!!

هل انتظرت بلهفة صدور صحيفة أو مجلة عمانية لتقرأ لكاتب عماني عموده الصحفي؟ إن حدث ذلك فهو يعني أنه كاتب عمود حقيقي، أو تربطك علاقة شخصية به، أو أسباب أخرى في علم الله.
تعاني صحافتنا من ندرة المقالات الصحفية العمانية الحقيقية التي تمس الحياة اليومية للقارئ العماني، وتتمتع بعمق في الطرح، وصدق في المغزى، وسلاسة في الأسلوب وقوة في اللغة. والتعميم قبل كل شيء مرفوض، ولكننا ننتظر مدة طويلة حتى يخرج لنا مقالا عمانيا يتحدث عن هموم الناس ليتحدث عنه الناس، يحدث احيانا ولكن بشكل متقطع جدا.
لن أخوض في التقسيمات الأكاديمية لفن المقال، بين صحفي ورأي، وذاتي وموضوعي، ولكن ببساطة اقصد المقالات التي تخرج في جرائدنا ومجلاتنا على أنها أعمدة صحفية، فإن استعرضناها أدركنا أننا في مشكلة حقيقية، ففي أيام كثيرة تبحث عن مقال عماني يتحدث بصوت الناس فلا تجد!
مستبعدين المقالات التي يكتبها "المحترفون" أو المفترض فيهم أن يكونوا "محترفين" من خارج السلطنة، والتي للأسف تنزل أحيانا لتتحدث عن "الفول والطعمية"، والمصيبة أنها توضع في أماكن مهمة، لتبرز لنا قضايا لا ناقة لنا فيها ولا جمل ولا حتى شاة. هذا همُّ آخر ليس هذا مقام نقاشه.
نتحدث هنا عن المقالات التي يكتبها بعض الكتاب العمانيين، والتي تعبر عن مشكلة في عدم التفريق بين المقال الصحفي والأدبي، فتراه يكتب نصا موغلا في الذاتية على أنه عمود صحفي. والبعض يكتب ليقال أنه كتب، فيرسل لجميع من يعرف ومن لا يعرف ليقرأوا مقاله الذي لا يزيدنا إلا هما وغما، ولا يزيد البيئة إلا تلوثا من حبر وورق لا قيمة له. والبعض الآخر يخيل إليه أنه في "سبلة" أو على مكتب مسؤول، فتراه يتودد ويتزلف ويتبتل، ضاربا عرض الحائط بكل القراء. وهناك من يعمل "ترزي" أي خياط، يقص لنا ويلصق من كل مكان، إلا من الواقع العماني، وللأسف في كثير من الأحيان لا يذكر حتى المصدر. والبعض يحاول اختراع العجلة، فيكتب لنا عن البديهيات، كضرورة العناية بأطفالنا، وزيارة أقاربنا، ونظافة مساكننا بدون أن يقدم أي رؤية أو فكرة جديدة.


أخيرا، لكل من يمسك قلما في هذا الوطن، أمل دنقل يحيكيم ويقول لكم: ماذا يمكن أن أكتب فيه.. فالكلمة -إن تكتب - لا تكتب من أجل الترفيه!!

الثلاثاء، ١٧ نوفمبر، ٢٠٠٩

دعما للهوية التسويقية للسلطنة

حين تسافر إلى الخارج ويسألك أحدهم من أي دولة أنت؟ وتجيب من سلطنة عمان، فيرد عليك السائل بأنه يجهل بلدك، تحس أن بأن شيئا في داخلك قد انكسر، وتتمنى لو تخرج من جيبك خارطة لتريه عمان. ذات مرة سألتني عجوز استرالية عن بلدي، فأجبتها: سلطنة عمان، وأنا انتظر السؤال الثاني عن الموقع الجغرافي بالتحديد، ولكن تفاجأت بالمرأة تقول لي: إن لبلدكم حضارة عريقة، ارتحلتم وحكمتم بقاعا كبيرة في العالم. شعرت بفخر داخلي، موقنا أن هذا البلد له حضارة تستحق أن تعرف.

ولكن حين تعلن أية جهة في السلطنة عن رغبتها في ابتكار شعار أو هوية تسويقية لها أضع يدي على قلبي وأقول "الله يستر"!! والسبب في ذلك هي التجارب العديدة التي خسرنا فيها الكثير من المال وكانت النتيجة سيئة ولم نجني ثمارها حتى اليوم.


لكن هذه المرة لم تكن كذلك، لقد كانت البداية لفهم حقيقي لأهمية الهوية التسويقية ( Brand) للسلطنة، حيث أتت الفكرة في ايجاد هوية تمثل السلطنة بالقطاعات التي يمكن تسويقها. وأعتقد أن أول خطوة في ذلك هو إعطاء هذه المسؤولية لشركة لاندور ( Landor ) المختصة في صناعة وترويج العلامات التجارية. والسبب بسيط جدا، أن أصحاب الاختصاص هم أقدر الناس على العمل في اختصاصهم. واستغرب من كثير من المشاريع الوطنية الكبيرة التي يصر القائمون عليها تعمين كوادرها 100% حتى وإن كانت هذه الكوادر غير مؤهلة وقادرة.


ولإدارة هذه الهوية التسويقية الجديدة انشأت وحدة التسويق والترويج للسلطنة، والتي دشنت شعارها في 25 يناير 2009. وعملت الوحدة مع شركة لاندور على ابتكار هذه الهوية، وكان أمام هذه المجموعة عدة تحديات كما أعربت عنها شركة لاندور في موقعها الالكتروني.
أحدها شكل الهوية ومدى شموليتها لتحتوي عدة قطاعات في آن واحد، لأن السلطنة تزخر بالكثير من المقومات التي يمكن تسويقها. والتحدي الآخر كان في اختيار أحسن القطاعات وأنجحها لتسويق هذه الهوية. وبعد عدة دراسات وصلت المجموعة إلى عدد من القطاعات وهي: التجارة والاستثمار، والسياحة، وتقنية المعلومات، والتعليم.

وأقيمت عدد من ورش العمل ووقعت عدد من الاتفاقيات بين جهات حكومية وخاصة، كما أعدت خطة لمشاركة السلطنة في المعارض الدولية للتسويق للسلطنة. ولكن لايزال هناك الكثير من النخب المتعلمة والعاملة في قطاع الأعمال لا تعرف عن الهوية التسويقية للسلطنة، وحين نضع شعارها على "دشاديشنا" يستغربون ويسألون!!
إن التحديات التي يواجهها العاملون في وحدة التسويق والترويج للسلطنة كبيرة. يتعب خبراء التسويق في بيع منتج واحد، فكيف يمكن أن تسوق لبلد بأكمله؟! إن هذه النواة بكوادرها قليلة العدد، وإمكانياتها التي لاتزال محدودة تجاهد لفعل شيء. ولكن ما اعتقده أن أكبر التحديات التي يواجهونها هي اقناع الكثير من العقول بأهمية هذه الخطوة، وبأهمية الخروج من القوقعة إلى المحيط، وأن كل ريال نضعه في تسويق الهوية هو استثمار ستعود منافعه على هذا الوطن. بعيدا كل البعد عن رسميات الخطاب الخشبي، والتفاصيل التي يدخل فيها الروتين والمجاملات التي تسيء للهوية التسويقية. يجب أن تكون اعتبارات الهوية التسويقية فوق كل الاعتبارات التي ما أفادتنا في شيء.

ولكن الخطأ الأكبر إذا ظن البعض أن الهوية التسويقية للسلطنة هي مسؤولية وحدة التسويق والترويج، إنها مسؤولية جميع الذين ينتمون إلى هذه الأرض. الموظف الذي يتحدث للزوار في معرض السياحة الأوروبي، وموظف السفارة في باريس، ومضيف الطيران العماني في الرحلة إلى مسقط، والشرطي على باب الوصول في مطار مسقط الدولي، وسائق سيارة الأجرة، ومدير العلاقات العامة بالفندق، ومرتادي سوق مطرح، جميع هؤلاء وغيرهم مسؤولون عن تلك الهوية التي إن خدشها أي شيء يلزمنا الكثير من الوقت والمال والجهد حتى نعالجه. إن زائرا غاضبا لموقف واحد حدث خطأً له في السلطنة يعني سمعة سيئة تنتشر في أماكن كثيرة.
ولا يمكن تسويق هذه الهوية بدون الاستثمار في مشاريع عالمية عملاقة، من مهمتها تعريف العالم بالسلطنة ومكانتها.

دورة الآلعاب الآسيوية الشاطئية 2010 والتي ستقام في ولاية المصنعة وستحتضن العالم هي خير مثال على فعاليات تسوق للسلطنة. إن هذه المشاريع تستقطب العالم لعمان، وهي استثمار يبقى نفعه للمواطن العماني. فحسب ما أعلن فإن هذه القرية تحتوي على العديد من المرافق التي ستستخدم بعد نهاية الدورة ويعود نفعها على الجميع. وقد نشرت الصحف مأخرا صور للمباني الانشائية في الموقع والتي توضح أن الوضع جدا مشجع.
الهوية التسويقية بصمتنا إلى العالم، يجب أن تكون واضحة وبراقة، وذلك مسؤوليتنا جميعا.

الأحد، ١٥ نوفمبر، ٢٠٠٩

فرص تسويقية متنكرة


يحيى الإنسان على هذه الأرض ويسعى في مناكبها ليصل إلى حالة من الرضى والسعادة، وتدخل في تكوين تلك الحالة الكثير من الأمور المادية والمعنوية، فالدين والعلاقات الاجتماعية وأساسيات الحياة وكمالياتها هي ما تشكل تلك الحالة من الرضى، وهذا ما يشرحه هرم ماسلوا بالتفصيل.

وقد تكون المنتجات والخدمات التي توفرها الشركات تغطي جانبا كبيرا من الرغبات والاحتياجات التي تجلب السعادة للبشر، وهكذا هي العلاقة المتبادلة، طلب ما ناحية المستهلكين، وتزويد لهذه الخدمات من ناحية الشركات. ولكن مع وجود منافسين كثر يجب أن تتميز أي شركة لتحصل على عدد أكبر من العملاء وحصة السوق. وإن كانت هذه الشركة شركة متميزة فيمكنها عمل ذلك من خلال قراءة مستقبلية لفرص تسويقية تستطيع من خلالها التميز عن منافسيها.


وتبرز هنا وظيفة التسويق في كونه القادر على تحويل الاحتياجات الاجتماعية إلى فرص تسويقية مربحة. وإن لم يستطيع فريق التسويق مواجهة هذا التحدي والتميز فيه فلا داعي لوجوده. فيجب على فريق التسويق في أي مؤسسة البحث عن فرص تسويقية مبتكرة من خلال العديد من الطرق والممارسات التي ستنعكس كأرباح للشركة. قد يكون أحدها منحنى العرض والطلب، فإن كان هناك نقص في العرض فهذا بحد ذاته فرصة للشركة تستطيع الدخول من خلالها. كما يمكنها الابتكار في خدمات جديدة أو تقديم منتجات معدلة على حسب حاجة العميل، أو التركيز على شريحة معينة في السوق. والعديد العديد من الأدوات التي تهدف لاشباع رغبات واحتياجات العملاء.

وتعد شركة ايكيا " IKEA " أحد أنجح الأمثلة في ذلك، فتاريخها المحكي على موقعها في شبكة الانترنت (www.ikea.com ) - والذي أورده أيضا عملاق التسويق كوتلر في كتابه "كيف تنشئ الأسواق وتغزوها وتسيطر عليها" - يتكلم عن قصة نجاحها لأن صاحبها انجفار كامبراد وجد فرصة تسويقية عظيمة مكنته من الوصول بايكيا إلى واحدة من أكبر سلسلة معارض الاثاث بالتجزئة في العالم، وللأسف لا يوجد فرع لهذه الشركة في السلطنة إلى الآن!


تبدأ القصة مع انجفار بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في بلده السويد، وكانت هناك مشكلة متمثلة في ارتفاع اسعار الأثاث، وقد كان السبب في ذلك هي التكلفة التشغيلية لهذه الصناعة. فالشركات المنتجة تفتح صالات كبيرة لعرض أثاثها، ثم تقوم بايصاله إلى المنازل وتركيبه، مما يعني اجور اضافية على العميل. هنا برزت فرصة تسويقية أمام انجفار تقوم على تقديم اثاث عالي الجودة ولكن بسعر منخفض، وهنا ابتكر الاستراتيجية التي تسير عليها أيكيا حتى الآن. فقام بشراء كميات كبيرة من الخشب حتى يحصل على سعر منخفض. وصمم الاثاث بشكل يسهل فكه وتركيبه تمكن العميل نفسه من فعل ذلك، ويتوزع الأثاث في صناديق صغيرة تمكن العملاء من أخذها في سيارتهم فلا داعي ليدفعوا اجرة النقل، كما أنه تفهم احتياجات العملاء في استغلال المساحات وفنيات الديكور. إن هذه الاستراتيجية التي تحرت فرصة تسويقية جعلت أيكيا اليوم علامة تجارية مميزة على مستوى عالمي تجميع بين الجودة العالية والسعر المنخفض.



وهناك الكثير من الأمثلة القريبة، والتي كانت عبارة عن فرص تسويقية لبعض الشركات، فكما نتذكر جميعا كيف قامت شريكة موتورلا للهواتف بطرح جهاز هاتف نقال نسائي الشكل واللون، فلم يكن سائدا وقتها وجود هاتف نقال باللون الوردي، إن استهداف شريحة النساء بهذا الهاتف كان ناجحا جدا في تلك الفترة، ولكن بكل تأكيد قامت شركات أخرى بتقليد موترلا بعد ذلك.



وقبل عدة أيام شاهدت إعلانا لأحد الشركات تتحدث عن جهاز كمبيوتر محمول "لابتوب" يتحمل العمل في الظروف الصعبة، فشكله للوهلة الأولى يوحي لك أنه "لابتوب" دفع رباعي!! ناهيك عن المزايا التي تقاوم الظروف القاسية والصدمات العنيفة، وبكل تأكيد تسهدف هذه الشركة الكثير من القطاعات العاملة في النفط والصحراء وبيئات العمل الصعبة. فهذه فرصة تسويقية رأتها الشركة في شريحة صغيرة في السوق ولكنها مربحة أيضا فعملت على تعديل منتج مخصص لها، لتكون سباقة ومحتكرة أحيانا لهذه الشريحة.

وفي الأسبوع الماضي ظهر برنامج على قناة "ناشنال جيوجرافيك" اسمه "مهرجان السرعة"، وعرض في البرنامج نبذة عن تطوير سيارة نيسان الجي تي أر. والقصة أن هذه السيارة ذات المحرك الصغير والسرعة الكبيرة معروفة جدا في اليابان، ولكن لم تكن معروفة في العالم. وحين عانت نيسان من الركود ومخاطر الخسارة في السنوات الماضية استعانت برئيسها التنفيذي الحالي "كارلوس غصن". أدرك غصن أن هناك فرصة تسويقية يمكن لسيارة جي تي أر أن تصنعها في الأسواق العالمية. لذلك أصدر غصن أوامره بتطوير جيل جديد من هذه السيارة يتفوق على سيارة البورش 911 توربو، وفعلا استطاع مهندسو نيسان تحقيق ذلك، وكشفوا عن الطراز الجديد من نيسان جي تي آر في معرض طوكيو الدولي للسيارات، وأتت السيارة مزودة بمحرك على شكل حرف "V" مكون من 6 اسطوانات وشاحنين توربينيين بقدرة 353 كيلووات/480 حصانا. ويفتخر اليوم كارس غصن بأن سيارته تتميز بتسارع من صفر إلى 100 كيلومتر في 3.6 ثانية، وهي تستهلك وقودا يقل عن بورش 911 بنسبة 30%. وكانت النتيجة أن هزمت الجي تي آر البورش في حلبة بورش نفسها بألمانيا!! وهكذا نجحت نيسان في انجاز ذلك التحدي والفوز بفرصة تسويقية مربحة.


ولمعرفة هذه الفرصة يجب أن تفهم الشركة قبل كل شيء أنها تنتج منتجاتها لعملائها وليس لها. يجب أن يقوم فريق التسويق متمثلا في البحوث التسويقية بدراسة استطلاعية للسوق، تستمع فيها الشركة للعملاء وتتفهم احتياجاتهم ثم تطورها لمنتجات وخدمات. وهناك عدة طرق للبحوث التسويقة، والتي تعتمد على المعلومات الأولية التي تحصل عليها الشركة من خلال عملائها بالاستبيانات والمقابلات والاتصالات. وهناك المعلومات الثانوية التي توفرها الجهات المختصة بجمع البيانات والدراسات السابقة التي أجريت.

ولا تبدو أمور البحوث التسويقية سهلة في السوق العمانية لأسباب كثيرة. فلا توجد احصائيات مفصلة عن الكثير من القطاعات، فإن أردت أن تعرف كم عدد طلاب الكليات والجامعات الذين قيدوا في العام الدراسي الماضي فلا تتوقع أن تفتح موقعا واحد لتجد هذه الاحصائية، بينما يمكن فعل ذلك في الدول المتقدمة بكل سهولة. وحتى عنونة المنازل والمنشآت غير فعالة حتى الآن، كم من شخص يعرف اليوم ما هو عنوانه على وجه الدقة؟! وإن وجد فسيكون على شكل أرقام لا أسماء وهو ما يصعب عملية حفظها.
وأحد الأسباب المهمة كذلك عدم وجود شركات مختصة وكافية لتقوم بعمل هذه الاستبيانات وجمع هذه الإحصائيات. هذه المعلومة في حد ذاتها قد تقدح في رأس أحدهم فكرة، وينشأ شركة بحوث تسويقية تعمل بكفاءة أكبر وبطرق علمية وفي مناخ أكثر شفافية.

الأربعاء، ١١ نوفمبر، ٢٠٠٩

عن التدوين العماني


إن الحديث عن كتّاب الإنترنت والمدونين بشكل خاص يشبه السير في حقل من الألغام، لأن أقلامهم حادة، وحدودهم رمادية!! يعتبرهم البعض مجددوا هذا الزمان، وينعتهم البعض الآخر ب "كلاب الإنترنت" و "مثيري الأتربة". والحقيقة أن مشهد الكتابة الإلكترونية في السلطنة ضبابي جدا. لقد أثير الكثير من الجدل حول كتّاب المنتديات ومسؤولية المشرفين عليها، وصلت حتى أبواب القضاء وأروقة المحاكم.

ولكن أتت المدونات لتشكل واقعا افتراضيا جديدا في الآلية والطرح، فالمدوّن يملك كامل الحرية التقنية ليكتب في مدونته ما يشاء، ولكن التبعات القانونية والاجتماعية والأخلاقية غير واضحة حتى الآن. تختلف اتجاهات المدونات عادة باختلاف اهتمامات أصحابها، قد تكون مدونات سياسية أو دينية أو تجارية أو شخصية خاصة.


ويندرج هذا على المدونات العمانية. لكن التدوين الذي أحاول أن أناقشه هنا هو التدوين الإشكالي، الذي يتعرض لقضايا سياسية أو دينية أو إعلامية أو اجتماعية قد تكون من قبل المسكوت عنه في وسائل الإعلام العمانية التقليدية كالتيلفزيون والإذاعة والصحافة.

وحقيقة العلاقة أنها متوترة جدا بين وسائل الإعلام التقليدية والمدونين على وجه الخصوص، أما الإثبات على ذلك فادخل إلى معظم المدونات العمانية وطالع ما تكتبه عن وسائل الإعلام المحلية، كان آخرها الهجمة التي شنتها المدونات على البرامج التيلفزيونية في شهر رمضان المبارك. وفي المقابل انظر في وسائل الإعلام التقليدية يوما ما وحاول أن تجد أي خبر عن المدونات وأصحابها، وكأنهم لا يشكلون جزءً من هذا المجتمع.

إن الجهتين تشتركان في الصواب والخطأ، فوسائل الإعلام التقليدية برصانتها، والتزامها تفقد بريقها يوما بعد يوم أمام هذا الطوفان من الإنفتاح على المعلومة والتعاطي الشفاف لكثير من القضايا الشائكة، المشكلة ليست في الحرية بل في المهنية قبل ذلك. فلا تزال اللغة المقولبة، والنمطية في الطرح، والسطحية في المعالجة تجعل الإعلام العماني التقليدي أقل مما يطمح إليه جيل الإنترنت.

لكن في المقابل نجد الكثير من المدونين العمانيين "الذين يطرحون قضايا اشكالية" يتقصدون الطرق في الثالوث المحرم: الدين والجنس والسياسة بسبب وأحيانا بدون سبب. يكتبون وهم يرتدون نظارة سوداء فلا يرون إلا الجوانب المظلمة. يقولون للخطأ خطأ بقسوة، ويقولون للصواب خطأ أيضا!! هذا الإغراق في السلبية يسيء لكتاب المدونات، ويلصق بهم صفة الغوغائية.




*نشر في ملحق أنوار

الثلاثاء، ٢٠ أكتوبر، ٢٠٠٩

راجعوا علاماتكم التجارية


يعتقد البعض أن العلامة التجارية هي شعار الشركة، وهذا خطأ كبير، فالشعار أحد مكونات العلامة التجارية، أما المفهوم الحقيقي فإن العلامة التجارية تمثل كل رمز أو سمة أو فعل يشير إلى هوية الشركة من شعار وإعلانات وموظفين ومباني، كلها تصنع تلك العلامة التجارية، وتشكل صورتها في أذهان جميع الجهات التي تتعامل معها.
فأنت عندما تقول سيارة آمنة فكأنك تلمح لسيارة فولفو، لأن هذه الصورة التي رسمتها هذه العلامة التجارية لنفسها في سوق السيارات. قد لا تكون الأسرع، قد لا تكون الأجمل، قد لا تكون بخيارات متعددة في الشكل والأولوان، ولكنها الأفضل في الأمان.


وتعد العلامة التجارية أصل من أصول الشركة ( Assets ) تستثمر فيها الشركة مبالغ مالية طائلة من خلال إنشاء هذه العلامة التجارية وترويجها والمحافظة عليها. فمع هذا الكم الهائل من العلامات التجارية في مختلف المنتجات، كيف يمكن لشركة أن توصل علامتها التجارية إلى مستوى الوعي بها وتميزها ثم الولاء لها؟! مهمة ليست بالسهلة، تحتاج إلى الكثير من الجهد والمال.
ويستغرق الوقت سنوات طويلة لتصل العلامة التجارية إلى القمة، ولكنها عندما تصل يصعب إنزالها. ومثال على ذلك شركة بيبسي في منطقتنا، فكثير من الناس هنا في السلطنة عندما يريدون شرب أي مشروب غازي يقولون نرغب في شرب (بيبسي)! وحين يذهبون إلى الثلاجة يأخذون ديو أو ميرندا أو حتى كوكاكولا. وهذا يعطيك مؤشرا على قوة العلامة التجارية التي أصبحت لصيقة بالمنتج وتعرف به. وهناك الكثير من الأمثلة مثل: كلينكس، ونيفيا.
ولكن يجب على الشركات دائما مراجعة علامتها التجارية، لأن العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة على الشركة بشكل عام تؤثر على تلك العلامة. فقد تدخل الشركة خطا إنتاجيا جديدا، أو تتحول من شركة محلية إلى شركة عالمية، أو تتحد مع شركة أخرى، أو قد تفقد علامتها التجارية بريقها مع الوقت، لذلك يجب أن تعدل العلامة التجارية.
أنشأت جامعة جريفث الاسترالية في بداية السبعينيات، وكانت جامعة يقصدها الأستراليون في ولاية كوينزلاند وغيرها من الولايات الاسترالية. وكانت تعبر عن نمط التعليم في ذلك الوقت المتسم بالصرامة والجدية. وكانت العلامة التجارية للجامعة تمثل هذا المفهوم، وكان شعار الجامعة عبارة عن أسدين متقابلين كحال معظم الشعارات ذات السمة البريطاينة الذي يدل على القوة والإلتزام. ولكن مع الوقت فتحت استراليا أبوابها للمبتعثين للدارسة في جامعاتها، وجريفث كانت أحد تلك الجامعات التي وصل فيها عدد الطلاب الأجانب أكثر من عدد الطلاب الأستراليين. هذا التغير الذي طرأ على الجامعة جعلها جامعة دولية أكثر منها جامعة استرالية. ومع هذا التغيير بدأت أشياء أخرى تتبدل، منها تخصيص مراكز لاستقبال هؤلاء الطلاب، ووجود مدرسين من مختلف الجنسيات ليتفاهموا مع الطلبة الجدد، واضافة فعاليات ومرافق تحتفي بثقافات الآخرين، وبدأت تنكسر تلك الصرامة في جزئيات اللباس والحضور والكثير من التفاصيل. عندها أدركت جامعة جريفث ضرورة إعادة بناء هويتها التجارية حتى تتوافق مع هذه المتغيرات، فقامت بتغير العديد من القوانين واضافت الكثير من المرافق حتى تتماشى مع الهوية الجديدة، بعد ذلك قامت بتغيير شعار الجامعة من أسدين متقابلين إلى رسم مبسط لكتاب مفتوح، وفي هذا تعبير عن هوية الجامعة الجديدة في توفيرها للتعليم بطريقة سهلة ولجميع الطلبة من مختلف مناطق العالم.
لم تقم جامعة جريفث بتغيير الشعار فحسب، بل أنجزت الكثير من الخطوات التي من شأنها رسم علامة تجارية جديدة، فالخطأ الجسيم إن تم تعديل العلامة التجارية من خلال الشكل فحسب. نعم إن الأمور الفنية جدا مهمة، ولكن العلامة التجارية تدخل في جوهر عمل المؤسسة، والتغيير يجب أن يشمل كل القطاعات، مثل الإدارة والموظفين وخدمة العملاء والدعاية والإعلان.
وتأخذ إعادة بناء الهوية التجارية طابعا مباغتا للمنافسين في بعض القطاعات من الأعمال، ففي ظرف أيام قليلة تبدل الشركة ألوانها الخارجية بعد اجراءات التغيير الداخلية، مثلما فعل البنك الوطني العماني حين أعاد بناء علامته التجارية مؤخرا، فبسرعة كبيرة غير شكله الخارجي في مختلف اللوحات الإعلانية وماكينات السحب، وقاد عملية التغيير بحملة إعلانية كبيرة كان شعارها: من أجلك.. من أجل الوطن.
وتأخذ العملية وقتا أطول في قطاعات أخرى مثل قطاع الطيران، فقد استغرق الطيران العماني وقتا طويلا حتى غير الشكل الخارجي لهويته الجديدة، فحتى وقت قريب كانت العديد من الطائرات لا تزال بالألوان القديمة للشعار، وقد يعود ذلك لأن الطائرات تعمل بشكل متواصل خارج أوقات الصيانة.
تمشي المؤسسات بشكل عام والشركات بشكل خاص وهي تحمل علامتها التجارية على كفها، تخشى عليها مما قد يخدشها، لأن أي خدش بسيط يعني خسائر جمة.

الأحد، ١٨ أكتوبر، ٢٠٠٩

"التويتريون" يغردون في مسقط



الإنترنت يغير حياة الناس كل يوم أسرع مما نتصـ.. عفوا.. سأعود للكتابة بعد قليل.. ( 30 ثانية).. عدت لكم.. المعذرة كنت "أغرد" في موقع ( Twitter.com ) وأخبرهم أني أكتب مقالا لجريدة عمان عن الذين يكتبون لهذا الموقع، "رائد رايد" يرى أن "التويتريون" هوه الإسم الأنسب حين نصف كتاب ذلك الموقع، "بدر الهنائي" لا يوافقه الرأي لأن الكثير من (أعضاء المجموعة) لا يكتبون باللغة العربية!! أما "بلو- تشي" فهو مشغول برفع صور حملة المدونين العمانيين ضد H1N1. "مسقطي" يحب الشوارمة التركية. "ماكوراني" تشرب شاي ليبتون.



هل تعتقدون أن هذا حوار شخصي، وأن هذه البداية سيئة جدا لمقال!! نعم قد تكون كذلك في المجمل، ولكن عن موضوع كـ "تويتر" البداية جدا منطقية. هذا الموقع يغير حياة الناس في العالم وفي عمان أيضا في هذه اللحظة وكل لحظة.
قد يكون هذا الكلام أكثر من رائع وواقعي لمرتادي مواقع الشبكات الإجتماعية مثل تويتر، والفيس بوك، وهاي فايف وغيرها، وقد يكون ممل جدا وغير مجدي لمن هم بعيدون عن هذا العالم. ولكن عدم الحديث عن هؤلاء لا يعني أبدا أنهم لا يتحدثون هناك، فالكتابة في تويتر لا تتوقف على الإطلاق.
فكرة موقع ( Twitter ) - ومعاناها باللغة العربية (التغريد) وشعاره عصفورة زرقاء – أن كل مشترك يمكنه كتابة رسالة شخصية تصف ما يفعله الآن في عدد حروف لا يتجاوز 140 حرفا. ولكن من يهتم بك إذا كنت تتعشى في مقهى بسيط بروي، أو في مطعم بفندق خمس نجوم؟!

تويتر يقول أن هناك الكثيرين ممن يهتمون بهذه المواضيع الاجتماعية البسيطة، وهذا ما نشاهده من خلال المحادثات التي لا تتوقف، فمن المحرج جدا أن تتصل بصديق لتقول له أنك غير قادر على النوم، ولكن إن وضعته على صحفة تويتر قد يكون موضوعا للنقاش لمدة ساعة كاملة!!
وتطور وضع هذا الموقع من يوم تدشينه عام 2006 وحتى الآن بظهور عدد جديد من الإمكانيات كالبحث وتحديد نقاط الارسال وغيرها من الخصائص التي كان لمستخديمها الفضل الأكبر في ابتكارها، اضف إلى ذلك العدد الكبير من التطبيقات على أجهزة الهاتف النقال بشكل عام وبلاك بيري وآي فون بشكل خاص.
يقول ستيفن جونسون في مقال بعنوان "كيف سيغير تويتر طريقة عيشنا" ترجمته مؤخرا زوان السبتي في ملحق الجسر: " التطور الرئيس لتويتر جاء من خلال المستخدمين الذين وظفوه لأداء مهام لم يحلم بها مخترعوه. باختصار، المذهل في تويتر هو ليس ما يفعله لنا وإنما ما نفعله نحن به"!
هذه العلاقة اتسمت بأسلوب تسويقي مبتكر، يجعل العميل يحدد احتياجاته من المنتج، وتلبي الشركة تلك الاحتياجات لتوصل العميل لمرحلة الرضى. وكأن العميل هو من يصمم المنتج والشركة تنفذ التصميم!
وبتويتر يصبح الإنترنت واقعا حقيقيا عوض أن يكون واقعا افتراضيا، ويجعل كل شخص مشاركا في صنع الحوار العام!! أي أسلوب جديد في الإعلام هذا!! والذي يطرح نقاشا لقضايا وأحداث أثناء حدوثها، لا بعد نهايتها. وفي أحد المؤتمرات عن التعليم في أمريكا فتح المنظمون صفحة في تويتر عن المؤتمر ووضعوا شاشة تظهر الرسائل التي يرسلها المشاركون على الصحفة أثناء عرض أوراق العمل، فاحتدم نقاش على شاشة تويتر بين الحاضرين في المؤتمر والجمهور في الخارج من خلال تلك الرسائل القصيرة!! هل تتخيلون مستوى التفاعل؟!

ما يحرضني على الكتابة عن تويتر بشكل خاص أنه انتقل فعلا معنا هنا في عمان إلى واقع حقيقي من خلال الملتقى الأول لكتاب تويتر ( Tweet Meet Oman ) والذي كان يوم الخميس الماضي في أحد مقاهي مسقط. وجهة الدعوة للحضور من خلال موقع تويتر وتفاعل الحاضرون، وعند السابعة مساءً حضر قرابة 30 شخصا من "المغردون" وتبادلوا وجهات النظر حول قضايا مختلفة. الجميل في الأمر أن الفعالية كانت تغطى في نفس الوقت على تويتر، كان الحاضرون يشاركون البقية الأحداث الدائرة في تلك الفعالية من موقع الحدث لحظة بلحظة!!
وهذا يكسر الصورة النمطية للكتابة في الانترنت بالسلطنة، فبعد أن كان كتاب الإنترنت "أشباحا" لا تعرف هوياتهم وأسمائهم ، أصبحوا اليوم بشرا عاديين يلتقون في تويتر على الإنترنت ويشربون القهوة بشخصياتهم العادية مساءً. لا يمكن أبدا تجاهل هذه الظاهرة، بل يجب توظفيها بشكل صحيح في العديد من قضايانا المحلية كالتعليم والإعلام والصحة والأعمال وغيرها.
بالأمس ناقش بعضهم فوز أوباما بجائزة السلام حال صدور الخبر، وتفاعل كثيرون مع الخبر بالتعليق السلبي أو الايجابي. إن هذه السرعة في وصول المعلومة وردات الفعل جعلت الكثير من الشخصيات العامة تضع لها اشتراكا خاص مثل أوبرا وينفري والملكة رانيا والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.
يشكك البعض في إمكانية هذه التقنية على الصمود طويلا، ويعتبرونها "موضة" ستنتهي بعد بعض من الوقت، ولكن كم من الوقت؟ لا يجزم أحد بذلك. أما التأثير الذي تحدثه كل يوم فهو آخذ في الزيادة والإنتشار. بعض الشركات العمانية أدركت ذلك فوضعت لنفسها مكانا في تويتر، أذكر منها (الطيران العماني) والذي يشارك في الكثير من الحوارات ويرد على الكثير من تساؤلات المشاركين، قد تكون العملية متعبة ومكلفة ولكنها فعالة بكل تأكيد لأن تفاعل الجمهور يؤكد وصول الرسالة.
الآن يجب أن أعود لتويتر لأخبر الزملاء هناك أني فرغت من كتابة المقال، وأنا على يقين أن حوارات كثيرة درات خلال كتابتي لهذه الكلمات!!

حشر بن خميس المنذري
Hasher5@hotmail.com

الأربعاء، ١٤ أكتوبر، ٢٠٠٩

الإعلان التيلفزيوني

ظهر أول إعلان تيلفزيوني في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1941. حيث دفعت شركة بولوفا " Bulova " لصناعة الساعات مبلغا قدره 4 دولارت لإعلان مدته 10 ثوانٍ في محطة نيويورك ستيشن قبل مبارة للبيسبول. وكان الإعلان عبارة عن صورة للساعة متداخلة مع خارطة لأمريكا، وظهر تعليق صوتي يقول " تمشي أمريكا على وقت بولوفا".

تطورت صناعة الإعلان التيلفزيوني بشكل متسارع مع تطور أدوات التصوير والصوت والمونتاج والأفكار الإخراجية إلى جانب الإنفتاح العالمي الذي عزز التنافسية بين الشركات، حتى أصبحت الإعلانات التيلفزيونية إنتاجا إبداعيا يستشف منها الحالة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية في تلك الفترة التي أنتج فيها الإعلان. فالإعلان الذي قدمته الفنانة مارلين مونرو لشركة كوكاكولا يوحي لك مباشرة أنه من منتصف القرن الماضي من خلال ألوانه والموسيقى والفكرة التي يطرحها.
وفي المقابل تأتي نانسي عجرب لتنجز إعلان آخر لكوكاكولا قبل عدة سنوات تستشف منه التغير الذي حصل ليس في تقنيات التصوير والإنتاج فحسب، بل حتى على المستوى الثقافي والفني الذي حدث في العالم، واختلاف السوق الذي قدم فيه المنتج بين أمريكا والشرق الأوسط الأكثر محافظة.
إن للإعلان التيلفزيوني ألق خاص، فهو يجمع بين الصوت والصورة في آن وحد وبجودة عالية، ولذلك فهو أكثر رسوخا في عقل المستهلك إن قدم بشكل جيد. وتستخدم الشركات الإعلانات التيلفزيونية للتعريف عن خصائص منتجاتها وعروضها الجديدة. أو تستخدمه لرفع الوعي والولاء لعلامتها التجارية. لا ينسى المسوقون الحملة الإعلانية التي قامت بها شركة آبل لتدشين أول كمبيوتر ماكنتوش شخصي عام 1984، حيث توجت الحملة بإعلانها التيلفزيوني الشهير للعداءة التي تحمل المطرقة وتكسر عصر الرهبة الإلكترونية، ثم ختم الإعلان بعبارة: " في 24 من يناير ستدشن آبل كمبيوتر ماكنتوش، وسترون لماذا عام 1984 لم يعد كعام 1984".
ولكن تواجه الإعلان التيلفزيوني الكثير من المعوقات هذه الأيام. فتكلفة الإنتاج التيلفزيوني باهظة الثمن، حيث تحتاج إلى فريق كبير ممن يعملون في التسويق والإخراج والمونتاج والتمثيل والصوت وغيرها. هذا إلى جانب التكلفة العالية لحجز مساحات زمنية إعلانية في القنوات الكبيرة والتي تحقق نسب مشاهدة عالية. هذا إلى جانب العدد الهائل جدا من القنوات الفضائية التي تتوزع فيها الشرائح المستهدفة. وكذلك الكم الهائل من الإعلانات المتلاحقة في نفس الوقت أو الفاصل والتي تجلب للمشاهدين الملل، وببساطة يكبسون على الزر ليشاهدوا قناة أخرى!! أو يستغلوا فترة الإعلانات في الرد على مكالماتهم أو رسائل هواتفهم أو حتى الذهاب إلى دورة المياه. فقد ذكرت إحدى الإحصائيات أن منسوب المجاري في مدينة شيكاجو الأمريكية يرتفع عند بدء فقرة الإعلانات في محطات التلفزة الرئيسية.

وفي العالم العربي يعتبر شهر رمضان الوقت المفضل لدى معظم الشركات لتضع إعلاناتها التيلفزيونية لسببين، الأول هو الاقبال الشديد لدى المستهلكين على الشراء في شهر رمضان وقبل عيد الفطر للمواد الغذائية والملابس ومختلف البضائع. كما أن الأوقات التي يقضيها المشاهدون أكبر أمام الشاشة في شهر رمضان أكثر بكثير من بقية أوقات السنة، وذلك لتخمة الفضائيات العربية بالمسلسلات والبرامج المخصصة لهذا الشهر الفضيل.

طارق نور أحد رواد صناعة الإعلان في مصر والعالم العربي أقدم على تجربة غريبة وجديدة، حيث افتتح قناة "القاهرة والناس" لمدة شهر رمضان الكريم فقط، حيث أقفلت المحطة بعد عيد الفطر مباشرة على أمل اللقاء بجمهورها في رمضان القادم. وقد قدمت هذه القناة مجموعة من الأعمال الدرامية إلى جانب قدر كبير من الإعلانات التيلفزيونية، كما تميزت بإعلانات القناة نفسها في طرحها لأسلوب مغايير لطرق الإعلان التيلفزيوني العربي التقليدي. لقد كانت تلك التجربة مربح لطارق نور كما صرح بنفسه، لأنه يدرك تماما أن الشركات المتنافسة تخصص نسبة كبيرة من ميزانيتها للدعاية في هذا الشهر، وهذا ما جعله يستكفي عن تشغيل القناة وستجداء الإعلان في بقية أشهر السنة.
وأما على مستوى السلطنة فلايزال الإعلان التيلفزيوني متأخرا وغير تنافسي من جميع النواحي، فالشركات لا تعلن تيلفزيونيا لأنها لا تستطيع تحديد القنوات الأكثر مشاهدة من قبل جمهور السلطنة، وإن استطاعت التحديد فستواجه التكلفة العالية جدا في تلك القنوات العالمية المشهورة.

وفي حديث مع أحد المخرجين في تيلفزيون سلطنة عمان لام فيه شركات القطاع الخاص لأنها لا تعلن في التيلفزيون مما لا يساعد هذا الجهاز الحيوي على التطور والخروج بشكل أكثر جاذبية. أعترضت أنا بدولي وقلت أن المعادلة مقلوبة، يجب أن يستقطب التيلفزيون العماني المشاهدين وعلى أثره ستعلن الشركات في التيلفزيون. إن نوعية البرامج وطرق جذب المشاهدين وصناعة الهوية التجارية الإعلامية هي مسؤولية التيلفزيون المحضة، ولا تدعم الشركات التيلفزيونات حتى تنجح، بل تعلن فيها وتدعمها لأنها ناجحة وفيها نسبة مشاهدة كبيرة.

ولذلك نرى أن هناك كم كبير من الشركات العمانية تعلن في التيلفزيون تحديدا في شهر رمضان المبارك، وخصوصا في فترة ما بعد الإفطار، لأن الشركات تعرف أن نسبة المشاهدة للتيلفزيون كبيرة في ذلك الوقت. كذلك عند نقل مباريات لمنتخبنا الوطني، تكون هذه الفرصة التي تتسابق عليها الشركات لتعلن في فواصل المباريات أو حتى في الشريط السفلي للشاشة.

الأربعاء، ٣٠ سبتمبر، ٢٠٠٩

التسويق- حرب لا تضع أوزارها




في حديث مع أحد المشتغلين بتدريس مفاهيم وأسس القيادة العسكرية قال ان عددا من مناهجهم تستقي نظرياتها من كتاب قديم جدا جمع في القرن السادس قبل الميلاد وهو كتاب «فن الحرب» الذي ألفه الفيلسوف العسكري الصيني سون توز.
ليس من الغريب أبدا أن يستقي العسكريون نصائح ذلك القائد الذي حقق انتصارات مجيدة لمملكة تشي وهو الاسم القديم للصين. ولكن المثير للإعجاب أن كتاب سون توز يعد منهجا تستقي منه الكثير من العلوم المدنية والتجارية نظرياتها وتطبيقاتها. وحتى على مستوى الدول يعد سون توز ملهما لها في نهضتها، فالصين موطن سون توز أصبحت قوة اقتصادية غزت أسواق العالم بمنتجاتها التي أنهكت منافسيها، تطبق استراتيجيات سون توز في غزو الأسواق الخارجية. وفي ثمانينات القرن الماضي عقدت العديد من الشركات اليابانية ورش عمل تتأمل فيها نصائح هذا الكتاب لتطبيقها في تلك الشركات.

كل تلك الأشياء تجعل من البحث في كتاب ذلك القائد متعة مقرونة بالمعلومة. وبالعودة إلى الكتاب يجد القارئ مجموعة من النصائح المتفرقة، ويعلل ذلك في أن المخطوط الأصلي لهذا الكتاب الثري تأثر بالعوامل الطبيعية وتآكلت أجزاء كثيرة منه. ولكن على الرغم من ذلك تظل روح القائد سون توز حاضرة في كل جملة وفكرة يحتويها الكتاب.
وفي مقارنة لتعليمات سون توز لقادته العسكريين مع نظريات علم التسويق يخيل إليك أحيانا أنه كان يقصد مديري التسويق على وجه الخصوص حين وضع كتابه. فالأسواق التجارية تكون في معظم الأحيان ساحة معركة، ينطلق فيها الرصاص من كل حدب وصوب. ففي حالة وجود منافسين هذا يعني وجود أعداء، وإن دام السلام قليلا فمقتضيات العلاقة بين المنافسين والأعداء تستحضر الحرب الباردة والساخنة بين الحين والآخر. ولدخول أية معركة قصيرة السجال أو حرب طويلة الأمد تحتاج إلى خطة استراتيجية. فبعض الدراسات تقول ان 40% من الأعمال التجارية تفشل في سنتها الأولى، وأن 80% من هذه الأعمال تخرج خارج السوق بعد مرور 5 سنوات من دخولها. أليست هذه النتائج نتائج حروب ومعارك؟!!
جيرالد مايكلسون أحد أهم المسوقين الذين بحثوا في مخطوط فن الحرب، وقد اصدر مايكلسون كتابا بعنوان «سون توز: فن الحرب للمديرين (The Art of War for Managers)» يستعرض فيه الكثير من النظريات التي استقاها من كتاب توز والذي صنفه كمؤسس لاستراتيجيات الحرب والأعمال على حد سواء. ويوصف مايكلسون بخبرته الطويلة في قطاع التسويق الاستراتيجي، وقد دعته الصين مرتين ليتحدث عن التطبيقات الممكنة لنظريات سون توز في إدارة الأعمال والتسويق على وجه الخصوص.
وبالبحث في شبكة الإنترنت تجد الكثير من المصادر التي تتحدث عن كتاب فن الحرب وتأثيره في التسويق، وبالصدفة وجدت ترجمة عربية كاملة وضعها أحد المهتمين بهذا الموضوع بشكل مجاني على الإنترنت بعد أن قام بترجمة الكتاب، واستوقفتني بعض الجمل والأفكار التي تؤسس لنظريات كبيرة في التسويق.
فمن مقولات سون توز: «استخدم الامكانيات العادية لعمل نتائج استثنائية تقود إلى الانتصار. الجيوش المنتصرة هي التي تبحث عن النصر قبل البحث عن المعركة». ألا توحي لك هذه العبارة بأن سون توز يتحدث عن المزايا التنافيسية، حيث إن الشركات الناجحة هي التي تجد لنفسها ميزة تنافسية تؤدي إلى نتائج ايجابية في معدل مبيعاتها وأرباحها، قد تكون هذه الميزة هي السعر المنخفض، أو خدمة الزبائن، أو قوة العلامة التجارية، أو حتى فهم أكبر لثقافة السوق.
ويقول أيضا في أحد تعليماته: «في ميدان المعركة لا تذهب الكلمة المنطوقة بعيدا بما يكفي، لذا وجب التأسيس لاستخدام الطبول والأجراس. كما تصعب رؤية الأهداف التقليدية بوضوح كاف، لذا وجب التأسيس لاستخدام الأعلام والرايات». من الطبيعي جدا أن الكلمة المنطوقة بشكل عادي لن تذهب بعيدا في ميدان المعركة، كما أن الإعلان العادي لن يعرف في ازدحام السوق بعدد كبير من الإعلانات التي يخرجها المنافسون كل يوم. وهذا يعني أنك بحاجة لطرق مبتكرة جديدة قال عنها سون توز طبول وأجراس، وتأتي في التسويق على شكل إعلانات مبتكرة.


إحدى شركات صناعة الأدوات الرياضية تفهم ذلك المبدأ جيدا، وحين أرادت أن تعلن في مدينة طوكيو المكتظة بالناس والسيارات والإعلانات وكل شيء، أتت على إحدى أكبر البنايات وأنشأت ملعبا لكرة القدم بشكل عمودي على جدار البناية، وربطت لاعبين بالحبال وتركتهما يتدليان من أعلى سقف البناية وأخذا يلعبان كرة القدم بشكل عمودي، كل الذين كانوا يعبرون في الشارع توقفوا للمشاهدة والتقاط الصور!! أليست هذه هي الطبول والرايات المختلفة التي يتكلم عنها سون توز!! وحين يقول: «تصعب رؤية الأهداف التقليدية بوضوح كاف» ألا يوحي لك هذا بأهمية المعلومة في حرب التسويق؟ وكيف يمكن أن نصل إليها؟ طبعا الجواب الآن في البحوث الاستراتيجية والتسويقية. ألا يتحدث توز وكأنه مدير في وكالة تسويق عالمية؟! ولكن لماذا الحرب في التسويق؟ في كل قطاع تجاري هناك عدد من اللاعبين الأساسيين الذين يحصلون على أكبر نسبة من حصة السوق، فمثلا في مجال المشروبات الغازية، هناك أصناف وعلامات تجارية كثيرة جدا، ولكن أهم لاعبين هما شركة بيبسي وشركة كوكاكولا. والعلاقة بين هذين اللاعبين الكبيرين هي تنافسية، يحمي وطيسها في الحملات التسويقية، والتعاقدات التجارية الكبيرة، ورعاية الفعاليات الرياضية، والإعلانات التجارية. وقد يتضح ذلك أكثر للمستهلك العادي من خلال الإعلانات التجارية التي نطالعها كل يوم.


الأحد، ١٦ أغسطس، ٢٠٠٩

إعلان تجاري في القرن الثاني الهجري



غادر سليمان البغدادي في القرن الثاني الهجري العراق إلى مكة المكرمة في تجارة يبيع فيها الخُمر السوداء، ولكن النساء في مكة لم تقبل على شراء تلك الخمُر فكادت أن تبور تجارته، فذهب إلى الشاعر ربيعة بن عامر والملقب بـ "مسكين الدرامي" والذي انقطع إلى العبادة زاهدا في الدنيا. فشكى التاجر سليمان البغدادي للدرامي مصيبته، وتعهد البغدادي بأن يتصدق على الفقراء والمساكين إن بيعت خمُره، وهكذا وافق الدرامي على مساعدته بأن أنشد شعرا يقول فيه: قل للمليحة بالخمار الأسود... ماذا فعلتِ بناسكٍ متعبد// قد كان شمر للصلاة ثيابه... حتى وقفت له بباب المسجد// ردي عليه صلاته وصيامه.. لا تقتليه بحق دين محمد. فانتشرت هذه الأبيات بين ألسن الناس، وراحت النساء تطلب الخُمر السوداء ليكنَّ على القدر من الجمال الذي تحدث فيه الشاعر والذي يصل حد الفتنة!!
لم أقرأ هذه القصة كما وردت في كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني، بل أنظر إليها كما طرحتها إحدى وكالات الإعلان في المنطقة العربية في مطبوعة مختصة بشؤون التسويق. وقد أوردت القصة على شكل إعلان مكتوب على رقعة جلدية، والأبيات مطرزة بخيوط الذهب على خمار أسود كما كانت تفعل العرب في معلقاتها على أستار الكعبة. طرحت الشركة عدة أفكار، فالعنوان يقول أن هذه القصة تجمع بين الدين والإغراء والإثارة، وتتسائل إن كانت شبه الجزيرة العربية أكثر تساهلا في هذه القضايا (التابوهات) قبل 1300 عام!!
على أية حال أنا ألتقط الخيط من مكان آخر، وأقول أن هذه القصة تؤكد قدم الممارسات التسويقية في الثقافة العربية وإن كانت بشكل ارتجالي وغير مدروس. ولكن لا ينكر أحد تفوق العرب والمسلمين في التجارة وانشغال جزء كبير من سكان هذه المنطقة القديمة بها. ولو لم تكن لهم ممارسات تسويقية لما تمكنوا من بيع بضائعهم في ما وراء البحار، ولولا قدرتهم التفاوضية لما استطاعوا استيراد بضائع الهند والسند ليقيموا علاقات تجارية مع ذلك الجزء من العالم. فالتجار العرب والمسلمون تمكنوا من نشر الإسلام في دول شرق آسيا بدون سيف أو قتال، وما كانوا ليهتدوا لذلك إلا من خلال معاملة متميزة مع زبائنهم (خدمة العملاء) ووكلائهم (المبيعات) وحكام تلك المناطق (العلاقات العامة) الذين أعجبوا بسلوكهم التسويقي الذي كان مدفوعا بواجبات وتعاليم اسلامية، فاختارت شعوب تلك المنطقة الإسلام طواعية. لا أريد أن أحمل الفكرة أكبر من طاقتها، ولكن هذه الحقيقة التي نستنتجها.
فلا تتتعارض قوانين التسويق مع منظومة الدين والقانون والأخلاق، فالتسويق علم ككل العلوم البشرية، تحكمه أخلاقيات العلم والمهنة، والتجاوز فيه جريمة لا يمكن أن يبررها الربح المادي. وممارسات البعض هي تعبر عن فهمهم الخاطيء واستغلالهم السيء لعلم التسويق.
وفي هذه القصة مثال جيد فالتاجر البغدادي لم يغش هذه الخُمر ليقول أنها من الحرير!! ولم يتعهد بتبديلها إن تمزقت ثم ينكث عهده. بل اكتشف أنه في مشكلة تسويقية لم تكن في حسبانه، فهو لم يراعي اختلاف السوق بين بغداد والحجاز من الناحية الاجتماعية ونمط الحياة (بحث السوق). ولكنه تدارك الأمر فعرف مكانة الأدب مع العرب فاتجه إلى شاعر (وكالة تسويقية). وهذا الأخير عرف أن من يلبس هذا الخمار هن النساء (الشريحة المستهدفة)، وأدرك أن للغيرة فعل السحر لدى النساء (سلوك المستهلك) فأنشد تلك الأبيات.
إن تلك الأبيات اجتمعت لتكون إعلانات ناجحا بامتياز، لم يغير من المنتج ولكن أبرز الكثير من جمالياته. والثقافة العربية مليئة بتلك الأمثلة والشواهد التسويقية التي تستحق الدراسة.
الكثير من الأمثلة التي يمكن أن نضعها في هذا السياق، وذلك ليس بغرض التفاخر التاريخي، ولكن لأن ذلك يؤسس لنمط تسويقي عربي مستقل، يأخذ بالحسبان كل مكونات الثقافة العربية التي تضيع في كثير من الإعلانات المترجمة.

الأحد، ١٤ يونيو، ٢٠٠٩

Pepsi vs Coke


بيبسي & كوكاكولا




عملاقان يتصارعان في سوق المشروبات الغازية، ويتميز الإثنان بأكبر شبكة توزيع في العالم. قلما تجد مكانا مأهولا بالسكان لا يحتوي على هاذين العملاقين!! علاقة من نوع مختلف بين الإثنين تؤكد أن كل من يريد أن ينجح يجب أن يجد لنفسه عدوا يقاتله. حرب طاحنة على مدى تاريخ هاتين الشركتين، بعض تلك المعارك الإعلانية تثير الضحك والسخرية.. أترككم مع مجموعة من الإعلانات التي تحاول فيها بيبسي تحطيم كوكاكولا.. ولكن كوكاكولا تجتر من العلم الأمريكي ألوانه الأحمر والأبيض لتكون علامة مميزة لثقافة تلك الإبراطورية.. أترككم مع الإعلانات










الجمعة، ٢٩ مايو، ٢٠٠٩

نأكلهم ونشربهم كل يوم

نستهلك الكثير من المنتجات ولا نتسائل عن ذلك الذي فكر فيها لأول مرة، عمل عليها، جربها وطورها، وفي أحيان كثيرة أخذت اسمه لتجعله في ذاكرة أجيال وأجيال.. ولكن كيف بمنتجات نرتبط بها إلى حد كبير، حتى تدخل أفواهنا وتستقر في معدتنا!! ببساطة هؤلاء الناس في الاسفل يعرفون بطوننا بمنتجاتهم التي ابتكروها، على الأقل نتعرف عليهم هنا!!




* للأمانة وصلتني الصور بالبريد الإلكتروني وأنا أعدت ترتيبها

الخميس، ٢١ مايو، ٢٠٠٩

في قلب الإعلان


هل فكرت أن تظهر يوما في إعلان لشركة؟ أنا فكرت ثم ظهرت ولي جملة من الأسباب أراها منطقة. لعلكم شاهدتم هذا الإعلان (في الأعلى) الذي أظهر فيه ترويجا للباقات الجديدة التي طرحتها شركة النورس في سوق الاتصالات العمانية. أتت ردات الفعل متباينة ، بين معجبين ومجاملين، وساخرين، وغاضبين، ولكل أسبابه!!
ويأتي السؤال البريء في صغيته والخبيث في دلالاته، لماذا يظهر مدير علاقات عامة في شركة اتصالات في أحد إعلاناتها!! هل خلت شركات الدعاية والإعلان من ممثلين في الإعلانات؟ أم أن شركة اتصالات بحجم النورس أحبت أن توفر حفنة من الريالات فطلبت من أحد موظفيها الظهور في الإعلان؟ لا أعتقد أبدا أن هذه الأسباب منطقية!!
النورس.. تبتكر في كل مرة، ليس في المنتجات والخدمات التي تقدمها بل أيضا في الأسلوب الذي تعمل به. هناك الكثير من الأمثلة التي انتهجتها النورس بتفرد في هذا القطاع الحيوي. وحين أتت إلى الإعلان تتسائل النورس عن عدم الإستفادة من طاقات عمانية عاملة في الشركة تمثل هذا المجتمع في شكله ورغباته وسلوكياته.
أما لماذا وافقت أنا لأظهر في هذا الإعلان، فهو أني درست التسويق، وأعمل فيه الآن، وأتعامل مع الإعلانات وصياغتها بشكل يومي، ولكن اكتشفت في لحظة أني لا أعرف ما هو الشعور الذي يتملك الظاهر في الإعلان أثناء التصوير وبعد ظهور الإعلان النهائي في السوق؟ وكيف يمكن أن يعبر بوجهه وجسمه عن رسالة الإعلان؟ وما هي ردات الفعل التي تصله؟ وغيرها الكثير!!
أنظر إلى الكثير من الإعلانات في السوق، لن نذكر الأسماء ولكن تفحص تلك الإعلانات هل تحس أن الذين يظهرون فيها عمانيين؟!! لا.. لأنهم ليسوا كذلك.
قصة هذا الإعلان أن يكون الظاهر فيه بملامح عمانية، يمثل شريحة الشباب، وبعيد عن الرسمية المفرطة، لذلك أظهر بلحية ثقيلة، وكمة وليس مصر. يتقاسم الإعلان مع الشخصية التي تظهر فيه مكونات مشتركة، وهذا ما يشكل علاقة معينة بين الشخصية والمنتج الذي تعلن عنه.
يظهر هذا الإعلانات في الجرائد المحلية والمجلات والمطبوعات العمانية، كما يوزع على شكل مطويات في الكليات والمعاهد، ولأنه عن الإنترنت فهو يظهر في مواقع الشبكات الاجتماعية، كالفيس بوك، الهوتميل، كورة، ومواقع أخرى.

الجمعة، ١ مايو، ٢٠٠٩

آه يا الأسمر يا... زين للاتصالات



هذا أحد الإعلانات التي أعتبرها ناجحة في قطاع الاتصالات بمنطقتنا!! إن فكرة استخدام شخصية مشهورة كعبدالكريم عبدالقادر وفي السوق الخليجية على وجه الخصوص فكرة متميزة تحسب لشركة زين للاتصالات. ولكن كيف وصل القائمون على هذا الإعلان إلى هذه الفكرة، بالتأكيد أن الأمر احتاج إلى الكثير من التفكير والبحث.



أراهن أن مصممي هذه الدعاية لشركة زين لمعت في ذهنهم عبارة (آه يا الأسمر يا... زين) مباشرة في أغنية عبدالكريم عبدالقادر القديمة والتي صورت عام 1973، فلعبوا على هذا التشابه بين هذا المقطع من الأغنية والعلامة التجارية للشركة. ولكن الأمر أكبر من مجرد استخدام لذلك المقطع، فجوهر الفكرة يعتمد على نظريات تسويقية تستخدم فيها شخصية مشهورة ( Celebrity ) لايصال رسالة المؤسسة إلى الجماهير وذلك يخضع اشتراطات كثيرة. فيجب أن تكون هذه الشخصية مشهورة حقا ومعروفة للعملاء بقدر عالي (High Recognition )، ويجب أن يكون تأثيرها ايجابي، ولها علاقة بالعلامة التجارية.



وهكذا يتضح بأن لا يكفي أن تكون الشخصية مشهورة حتى تكون القرار الصائب لتعلن عن منتج ما. فمثلا ميخائيل جوربتشوف رئيس الاتحاد السوفيتي الأسبق والذي انهار الاتحاد في عهده ظهر في دعاية لبيتزا هت. وهي تظهر جوربتشوف برفقة حفيدته يدخل إلى محل للبيتزا هت ويبدأ الناس في الاختلاف على إدارته لشؤون الاتحاد، فأحدهم يقول أنه سبب الفوضى الاقتصادية، والآخر يعارضه محتجا بأنه جلب الديمقراطية لروسيا، وتنهي العجوز المجادلة بالحسم أنه هو الذي أتى ببيتزا هت لهم.
علقت الكثير من الجماهير على هذا الإعلان، وقال أحدهم أن الاتحاد السوفيتي أنهار لأن جوربتشوف كان مشغولا بأكل البيتزا عوضا عن إدارة شؤون البلاد بالشكل الصحيح.



قد لا يكون من المنطقي أن يظهر رئيس اتحاد سابق ومنهار في دعاية للبيتزا. ولكن لعبتها نايكي بشكل صحيح عندما وقعت عقدها مع تايجر وود بطل الجولف العالمي، فقد أدت هذه الصفقة إلى ارتفاع نسبته 9% في مبيعات نايكي حسب ما صرحت به بعد أن ظهر وود في حملتها الدعائية.
وهكذا يتعلق الناس بهذه الشخصيات العامة ويحاولون تقليدهم حتى في المنتجات التي يقتنونها أو يستخدمونها، وتصبح تلك الشخصية جزءً من العلامة التجارية للشركة.

الخميس، ١٦ أبريل، ٢٠٠٩

إعلانات مسيئة.. فيلعن أبو التيدا

الحزن جميل جدا
والليل عديم الطعم بدون هموم..
والناس خريف يمطر
والايام على الذل سموم ..
أهلا بدعاة الموضوعية
جارتنا اسرائيل.. حبيبتنا!!

"مظفر النواب"





عربي بدوي خليجي يخرج من أحد الفنادق الفاخرة، يحيطه الحرس وتتبعه النساء متجها إلى سيارة فارهة. تستوقفه سيارة نيسان تيدا..
يذهب ليصرخ في وجهها:
"خربتي بيتي الله يخرب بيتك..
وصقور ينقروا فيك ليل ونهار
والشمس الحامية تذوبك ذوب"
يضربها بنعاله فتفتح له خزان تعبئة الوقود كأنها تهزأ منه.. فهي لا تحتاج إلى الكثير من نفطه!!
يختم حديثه بقوله : " يلعن أبو التيدا"

هذا هو الإعلان الذي ظهر لحملة ترويج سيارة نيسان تيدا في اسرائيل.



يخطأ البعض حين يعتقد أن الإعلان وسيلة تافهة تلجأ إليها الشركات لترويج منتجاتها!!
إن الإعلان صناعة كبيرة تعتمد على العلم والفن، تستعين بالتاريخ وعلم الاجتماع والفلسفة والرسم والموسيقى وغيرها من العلوم والفنون لتخرج لنا بوسيلة هامة من وسائل التأثير والإقناع.

هذا الإعلان يعطي أكثر من رسالة، وهو قد يكون ناجحا جدا في تل ابيب وقد يؤدي الى ارتفاع مبيعات شركة نيسان ويرفع منحنى الايرادات من السوق الإسرائيلية، لأن الشعب هناك عنصري بالفطرة ضد العرب والمسلمين.



ولكن هل هو إعلان أخلاقي؟ هل يمكن عرضه في أي سوق آخر غير السوق الإسرائيلية؟ هل يخدم نيسان على المدى الطويل؟ إنه يأجج مشاعر العنصرية والحقد والتعصب. يخرج الإعلان بهذه الصورة انطلاقا من الاطار العنصري الذي يضع فيه المجتمع الصهيوني العرب، والذي يخالف حتى قوانين الأمم المتحدة. هكذا يظهر أمير النفط البدوي الهمجي البذيء والغير متحضر، يشتم ويعتدي على ممتلكات الآخرين.

لا أعتقد أن هذا الإعلان خرج من نيسان الأم في اليابان، بل هو إعلان قامت به إحدى وكالات الدعاية والإعلان في تل أبيب لحساب نيسان- اسرائيل، والتي انتجته بعد دراسة للسوق الإسرائيلي والنتيجة التي أفضت بها هي الكراهية والعنصرية التي يحملها المجتمع والمستهلك الاسرائيلي تجاه العرب والتي يمكن أن تستغل وتوجه لاستفزاز المستهلك الاسرائيلي بشراء هذه السيارة المعادية للأعراب الهمجيين والجشعين.


ولكن هذا لا يبرر أبدا المسؤولية الاخلاقية التي تتحملها نيسان الأم، ووجوب متابعتها لكل ما يلمس علامتها التجارية. ولا أعتقد أبدا أن نيسان مستعدة للتضحية بالسوق الخليجية والعربية مقابل السوق الإسرائيلية. فقد تكون نيسان هي علامة السيارات رقم 2 في الخليج بعد تويوتا. ولا أعتقد كذلك أن نيسان تحب أن تصنف من العلامات التجارية التي تشجع على العنصرية!!


ألا ترون أن هذا الإعلان يأخذ أكبر من بعده التجاري؟ هناك بعد سياسي وأخلاقي واجتماعي لا يغيب عن تفاصيل هذا الإعلان، وأكثر من رسالة موجهة يمكن أن تخبرنا بطبيعة ذلك المجتمع ومفردات ذلك السوق. ولكن إن كانت اسرائيل دولة لقيطة، سرقت الأرض وأراقت الدماء بدماء باردة في المجازر، هل نستغرب منها إعلان كهذا؟! لا غرابة.

الأربعاء، ١٨ فبراير، ٢٠٠٩

الثقافة.. هرم ماسلو المقلوب




ديباجة:
تقفر الأسواق يومين ..
وتعتاد على النقد الجديد!!
يسكت المذياع يومين
ويعتاد على الصوت الجديد!!
أمل دنقل

****


أقامت الجمعية الاقتصادية العمانية محاضرة قبل مدة بعنوان مستقبل اقتصاديات دول منطقة الخليج العربي في ظل الأزمة المالية التي تعصف بالاقتصاد العالمي ألقاها الدكتور وديع أحمد كابلي، كانت المحاضرة قيمة وممتعة في الوقت نفسه. ولم يكن من المستغرب أن تقام تلك المحاضرة في قاعة النادي الثقافي، ولكن المثير للغرابة والدهشة هو ذلك الحضور الكبير الذي شهدته القاعة، حتى أن كراسيها ضاقت عن استيعاب الحضور، لأنه يقارن بينها وبين الفعاليات الثقافية التي تقام في نفس القاعة وتعاني نخبوية الحضور، وتجاهل الجمهور.








وتدور الأسئلة: قصيدة شعر أمام رغيف خبز، أيهما نختار؟! وهل المؤسسات الاقتصادية أقدر على جذب الجمهور من المؤسسات الثقافية؟ أم أننا بحاجة إلى مهندسين وتجار لا كتابا وشعراء؟ أم أن كل هذه الأسئلة هي تقديم لنظرة برجماتة لقضايا شائكة؟ أم أنها مواجهة لحقيقة واقعية لحال المجتمعات والدول في هذا العالم المتعولم.
ولوضع هذا النقاش في اطار علمي بعض الشيء نلجأ إلى أحد النظريات السكيلوجية والتي وضعها عالم النفس إبرهام ماسلو ثم استعارتها العلوم الأخرى كعلم الاجتماع والإدارة والموارد البشرية والتسويق. وهي نظرية التحفيز الإنساني والتي تفترض أن الناس يسعون إلى تحقيق مستوى أعلى من الاحتياجات كلما حققوا مستوى اساسي منها في مخطط هرمي معتدل. أولا القاعدة السفلى العريضة وهي الاحتياجات الفسيولوجية المهمة للبقاء على قيد الحياة كالطعام والشراب. ثانيا الحاجة للأمن، ثالثا: الحاجة للمجتمع، رابعا: الحاجة للتقدير، خامسا في رأس الهرم: إدراك الذات.





والتصور المعتدل للهرم يقول بشكل واضح "مس قلبي ولا تلمس رغيفي". ولكن أين يقع الدين في هرم ماسلو هذا؟ وفي أي سلمة نضع الثقافة والأدب؟ وإن كان معتدلا فلماذا يضرب الناس عن الطعام ( وهو في أسفل الهرم) لكي يحققوا ذاتهم ( وهي في أعلى الهرم). ألا تقلب هذه النظرة الهرم رأسا على عقب!!
ولكي لا نظلم هذه النظرية فهي تعطي تفسيرات جيدة للسلوك الإنساني لكنها من المستحيل أن تنطبق في كل الظروف ومن كل الزوايا.




وتظهر أحيانا بعض الأصوات الغريبة التي تقلل من العلوم الإنسانية على حساب العلوم التطبيقية، وأذكر حوارا مع أحدهم قارن بين التاريخ والهندسة فقال: ما الجدوى من دراسة التاريخ؟ أحداث مرت بظروف وتفاصيل مختلفة فما الحاجة لاستدعائها الآن والبحث فيها والتنظير لها؟ أما الهندسة الميكانيكية فهي تنتج الآلات وتغذي المصانع.
هذه المقارنة خاطئة تماما، فكما أن الهندسة الميكانيكية مهمة، فللتاريخ نفس الأهمية في حياة البشرية. يقول غوته: الذي لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاثة آلاف سنة الماضية يبقى في العتمة. وأي عتمة! إن علماء الدين والكتاب والشعراء والفنانين هم ذاكرة أي أمة، وهم مدونون لحضارتها لتأتي حضارات أخرى لتكمل على ذلك السلم اللولبي في تاريخ الحضارة الإنسانية. إن مجتمعا لا يضم كتابا وأدباء ومثقفين هو مجتمع مبتور ومختل حتى وإن ضم المهندسين والمصنعين والتجار، وليس بالخبز وحده يحيى الإنسان.

الخميس، ٢٩ يناير، ٢٠٠٩

الجزيرة الرياضية.. التسويق يتكلم

"إن لم تكن القيادة العليا في أي مؤسسة مقتنعة بضرورة التركيز على المستهلك والاهتمام به، فلا يمكن تنفيذ أي فكرة تسويقية في بقية أقسام المؤسسة"
كوتلر أكير
على المسوق الناجح أن يمتلك عيون صقر، ودهاء ثعلب، يلمح الأشياء سريعا ويربطها ببعضها ليخرج بأفكار جديدة تتحول إلى منتجات وخدمات يقدمها إلى الجمهور بصفقات رابحة.

وفي عالم ما بعد العولمة ترتبط الأحداث ببعضها، وترتبط معها مصالح الناس، واهتماماتهم وفعالياتهم. وتتقاطع خطوط الاقتصاد مع السياسة والرياضة والثقافة والسياحة والمجتمع وكل نواح الحياة الأخرى.

حمى رياضية اجتاحت المنطقة بشكل عام وبشكل خاص كان سببها كأس الخليج، والتي وصلت حتى غير المولعين بالساحرة المستديرة. هوس جماهيري عام اكتسح مسقط على مستوى الخصوص لاحتضانها ذلك الحدث الرياضي، الذي أتى بكل أبعاده الرياضية والوطنية والسياسية وبكل تأكيد الاقتصادية.

وتمشي كل بطولة رياضية يسبقها ويحاذيها ويبقى بعدها التسويق. وانتهجت دورات كأس الخليج في السنوات الأخيرة خطا تجاريا جديدا ساهم في تطوير الدورة على جميع المستويات.

وكان التسويق حاضرا في كل مراحل خليجي 19 ، ولولا التسويق لما كان كل ذلك الزخم الرياضي والإعلامي للبطولة. وتبدأ القصة مع بيع حقوق النقل الإعلامي والتجاري والتي حصلت عليه قناة الجزيرة (جزاها الله عنا كل خير)، والذي أدى إلى تداعيات أخرى سياسية واقتصادية واعلامية. فقد حصلت قناة الجزيرة الرياضية على حقوق البث وهي ليست صاحبة أعلى عرض مالي، ولكنها قدمت مشروعا متكامل بمواصفات تنافسية مالية وتقنية واعلامية على حسب تصريحات اللجنة المنظمة، أدت إلى فوزها بحقوق البطولة، لعل أحدها تلك التقنيات في النقل والتصوير، لعل أبرزها تلك الكاميرا العنكبوتية وكأنها تطير في كل اتجاه!

لقد دفعت قناة الجزيرة مبلغا ماليا يقارب العشرين مليون دولار لشراء حقوق البث والتسويق، وهذا الرقم يتضاعف في التجهيزات والتقنيات والكوادر التي سخرتها الجزيرة الرياضية لخدمة هذا الحدث الاستثنائي في دول المنطقة.


ولكي تعوض الجزيرة الرياضية جزءً من هذا المبلغ قامت ببيع حقوق الإعلان لعدد من الرعاة والمعلنين، تتمثل في مجموعة كيوتل للاتصالات كشريك اتصالات رسمي للبطولة وتأتي تحت كيوتل النورس العمانية، والوطنية الكويتية وفي الجانب الآخر شركة سوني، ونايكي.

كما قامت ببيع حقوق البث التلفزيوني لقنوات رياضية في الكويت والسعودية والبحرين واليمن وقناة الدوري والكأس القطرية. وحصلت مشكلة أخرى من عدم البيع لقناة أبوظبي الرياضية ودبي الرياضية أو رفض هذه الأطراف الأخرى الشراء من الجزيرة.

ليس هذا المقام لمناقشة اللغط التسويقي والإعلامي الذي حصل، والمداخلات الإعلامية التي كان أبطالها إعلاميين رياضيين معروفين، ولكن الجزيرة أدارت البطولة تسويقيا بشكل احترافي، بعيدا عن المجاملات والاعتبارات الأخرى فامسك الجزيرة حقوقها في البث والتسويق بقبضة حديدية منعت بها كل المحاولات لاستغلال الحدث من قبل القنوات الأخرى التي لم تشتري الحقوق،
وهذا ما أثار حفيظة البعض والذين يرون أن دورة كأس الخليج دورة ودية وأخوية ولا تأخذ بشكل تجاري. الجزيرة لها وجهة نظر أراها صحيحة وتخدم الدورة. فمتى تعاملنا مع هذه البطولات على أساس تجاري وتسويقي فستكون أكثر تنظيما واحترافية على المستوى الفني والاقتصادي والتسويقي.

ولأن الجزيرة شبكة عالمية اليوم تدرك ما يمكنها القيام به، وما يتعذر عليها توفيره. فهي تضم نخبة متميزة من الإعلاميين والمحليين والفنيين، ولكن فريق تسويقها صغير، وعدد موظفيها لا يكفي لإدارة فعالية بهذا الحجم. هنا قامت الجزيرة بالاستعانة بأحد أكبر الشركات الأوربية في النقل التلفزيوني. وفي الجانب الآخر أحضرت شركة (ميديا برو) الأوربية لإدارة الفعالية. هنا الجزيرة تتفهم أهمية التخصصية، لم تكابر الجزيرة وتدعي بأنها تستطيع فعل كل شيء، بل أعطت الخبز لخبازه، ولكنها هي التي كانت في الواجهة دائما والجميع يعمل تحتها.

لم تكن تغطية الجزيرة للحدث رياضيا فحسب، بل سياسيا واجتماعيا وسياحيا وتسويقيا، ظهرت بعض المشاهد من مدن عمانية ولقطات من العاصمة مسقط وكأننا نراها لأول مرة، عين الجزيرة اقتنصتها فأمتعتنا.

دروس تسويقية كثيرة نفذتها الجزيرة في مسقط، وكان النجاح حليفها، وهنا يحق لنا التسائل ببراءة: هل تعلمنا شيئا من هذه الدروس. فلولا الجزيرة وأخواتها لما كان لهذا الحدث الزخم الذي ظهرت به.
إن واقعنا العماني يفتقد إلى هذه الحرفية في التعامل، ووسائل إعلامنا تستثمر بالقطارة، تفرحنا كل مبادرة، ويحبطنا الفشل دائما.


ملاحظة: الصور،، أحمد الشكيلي، موقع البطولة، الصحف المحلية

الخميس، ١ يناير، ٢٠٠٩

الشمعة لن تفي بالغرض.. نحتاج عمود إنارة


أتسائل كثيرا.. لماذا نكتب؟ وهل تغير الكلمة الواقع الذي نعيش فيه، الواقع العماني على وجه التحديد. أطالع كل صباح جرائدنا فلا تشدني حتى العناوين، وأنظر في فضاءات الانترنت العمانية فيزعجني ذلك التطرف في السلبية والرفض والسوداوية.

يقول أحمد شوقي:
سقراط أعطى الكأس وهي منية.. شفتي محب يشتهي التقبيلا
عرضوا الحياة عليه وهي غباوة.. فأبى وآثر أن يموت نبيلا
نحن لا نعرف اسم قائد مركز الشرطة الذي نفذ حكم الإعدام في سقراط ولكن أفكارسقراط وكلماته ومعارفه بقيت إلى اليوم تنفع العالمين، كلما أتأمل هذه الأبيات أدرك قوة الكلمة وأنها الحقيقة الباقية.

لقد أطلعت على الكثير من المدونات العمانية في الآونة الأخيرة ووجدت أنها مشتغلة بالثالوث المحرم: الدين، السياسة، الجنس. أختلف مع الكثير من المدونين العمانيين في طروحاتهم وأساليبهم، ولكنني سعيد بهم حقا لأنهم يعبرون عن أفكارهم ويطرحون آرائهم وهذا شيء صحي معناه أننا نتطور على رغم اختلافنا، فمرحبا بالاختلاف.


اقتحم عالم التدوين ب "عمود إنارة" واخترت هذا الاسم لأنه قريب إلى قلبي وعقلي، فهو عنوان المقال الصحفي الأسبوعي الذي كنت أكتبه في جريدة "الأسبوع" أيام كنت آكل خبزي من الصحافة.

قد تتسائل لماذا عمود إنارة؟ عزيزي القارىء، بكل تأكيد قد جربت السير في الشارع ليلا، ستجد أن أعمدة الإنارة تلعن الظلام لتنير الشوارع، وحين يخفت ضوء عمود يرسل خيوط النور عمود آخر. هكذا دواليك دواليك حتى يخرج صبح جديد، فلماذا اليأس : "إن الليل زائل".

ملاحظة مهمة: عزيزي القاريء إن كنت تبحث عن الإثارة والتشويق فأنت في المكان الخطأ، إن "عمود إنارة" لا يعدك بكشف الأسرار كما يفعل "عماني ممنوع من الكلام" ولن يتوغل في الرفض السياسي كما يقترفه "ليت لي جناح" ولن يعري المجتمع ويجرحه كما تفعل "جمجمة معاوية" ولن يغرق في سفسطة وجودية كالتي يسبرها "دوتشي".

ذلك أن السياسة لم تعد تغريني على المستوى الشخصي، ليس لأني زاهد فيها معاذ الله، بل نظرا لعدم وجود قنوات سياسية أو مدنية أو نقابية يمكن أن نتحرك فيها بشكل حقيقي، غير الكلام الذي أعدناه مرارا وتكرارا حتى أصبح من نافلة القول. لا أتقصد الإحباط لأي أحد، ولكنني أفضل في هذه المرحلة أن أطرح مجموعة من المعارف التي ألقيت على مسامعنا في صفوف الدراسة، وأعرض عددا من التجارب التي خضناها في مجال التسويق والتجارة والتي أجدها الأقرب إلى تخصصي وعملي، أضيف إليها مجموعة من القراءات في الأدب والفن والرحلات لأشتبك معكم في حوارات أقرب للعصف الذهني منها إلى أي شيء آخر. لن يستقصد "عمود إنارة" التابوهات المحرمة عنوة، إلا إن أتت في سياق الحديث فأهلا بها ومرحبا.

كف بيضاء أمدها لتصافحكم تحت عمود الإنارة.


الإثنين، ٢٩ ديسمبر، ٢٠٠٨

صداع الرأسمالية أم غيبوبتها



جريدة عمان

القسم الاقتصادي


ماذا يحصل في العالم؟ إن حق لنا أصلا أن نتسائل، فنحن على الهامش في صناعة الأحداث، ولكننا وسط دوامة التأثيرات، فنحن أول من يغرق وآخر من يتعافى. يعطس (وول ستريرت) فنمرض نحن!!
آمنا منذ عقود أن الشيوعية فكريا والاشتراكية اقتصاديا أنظمة اثبتت فشلها، ولكن صدقوني لو كان كارل ماركس أبوالشيوعية وصاحب المادية الجدلية على قيد الحياة لأصابته حالة من الضحك ولرفع صوته شامتا مستهزءًا بالرأسمالية التي وقف ضدها ونظر كثيرا لنهايتها وهو يرى مؤسسات رأسمالية عتيدة تتهاوى، وحكومات لبرالية تسابق الزمن لانقاذ ما يمكن انقاذه.
حين كنا على مقاعد الدراسة الجامعية الأولى بكلية التجارة والاقتصاد في جامعة السلطان قابوس كانت جميع الكتب الدراسية تأتي من الولايات المتحدة الأمريكية، والحق يقال أنها أفضل ما في السوق من حيث المادة العلمية والأكاديمية وطريقة العرض والاخراج. ولكنها كانت تسوق للرأسمالية على أنها الدين الوحيد لاقتصاد العالم، وبالمناسبة فالرأسمالية لا تفرق كثيرا بين الأنبياء ومدراء التسويق. فصدقنا أن الرأسمالية تمتلك الحل لكل معضلة اقتصادية، وأن مفكريها لديهم الاجابة لكل سؤال، ابتداءا من الكلاسيكي آدم سميث صاحب نظرية "الأيادي الخفية"، وانتهاءً بعراب العولمة توماس فريد مان. ولكن هذا الزلزال الأخير الذي هز الاقتصاد العالمي الذي تقوده الرأسمالية أخرج الكثير من التسائلات وشكك بكفاءة النظرية الرأسمالية في حد ذاتها.
ولنوازن بين عواطفنا السلبية تجاه الرأسمالية نتيجة ما تمر به من أزمة راهنة هذه الأيام، وبين النجاحات التي حققتها الرأسمالية في الكثير من البلدان والقضايا، نورد القالب العلمي الذي تضع فيه الرأسمالية نفسها، فالنظرية تقول أن الرأسمالية نظام اقتصادي يرتكز على فلسفة اجتماعية وسياسية، وهي تنتهج تنمية الملكية الفردية والمحافظة عليها، حيث تكون المصانع والمزارع وكل وسائل الانتاج مملوكة ملكية خاصة لفرد أو شركة تعمل بهدف تحقيق الربح. أما الإنتاج والتوزيع وتحديد الأسعار فتكون محكومة برغبات الناس حسب قانون العرض والطلب. ويقوم أصحاب وسائل الانتاج بتشغيل العاملين وإدارة وسيلة الانتاج لاستغلال الموارد الناضبة في الأرض بكفاءة للحصول على ربح مادي.
وهناك عدة أنواع للرأسمالية، كالرأسمالية الصناعية والرأسمالية الخدمية والرأسمالية المالية. نحن هنا بصدد الحديث عن الرأسمالية المالية وهي الاسثتمار في النشاطات المالية كالبنوك والاقراض وسوق الأسهم والسندات وغيرها، لأنها هي التي ورطت الرأسمالية ابتداءً بمشكلة الرهن العقاري، وانتهاءً بإفلاس البنوك وانهيارات أسواق المال.
ولو حاولنا تبيسط أزمة الانهيارات في أسواق المال العالمية التي حصلت فنلخصها بتصور لمجموعة من البشر يلعبون على مائدة قمار، هم لا ينتجون أي شيء فقط يقامرون بالأموال التي تتبخر ويقع ضحيتها غالبا صغار المستثمرين. وبقانون المضاربات هذا لم تعد قيمة أسهم الشركات والسندات المالية مرتبطة بانتاج المؤسسة وأرباحها، بل خاضعة لقوانين العرض والطلب على الأسهم كسلعة مستقلة غير تابعة للمؤسسة المصدرة لها. ويمكن لشركة أو مؤسسة أن تخسر رأس مالها بانهيار أسهمها في سوق المال دون الارتباط بانخفاض انتاجها أو ربحيتها، وبذلك تكون شاشة سوق المال خاضعة لعامل نفسي بحت تؤثر عليه اشاعات يروجها البعض لجذب العرض والطلب والذي يرتبط بمشاعر المضاربين والمستثمرين أكثر من أي شيء آخر.
في المقابل أظهرت هذه الأزمة النفاق السياسي والاقتصادي لرواد النظرية الرأسمالية، فالدول اللبرالية الكبرى كانت تروج لأسطورة السوق الحر الذي يجب أن لا تتدخل فيه الحكومة أو أية جهات أخرى للتصحيح، على اعتبار أن العرض والطلب كفيل بتصحيح الوضع تلقائيا. ولكن رأينا في المقابل كيف أقر الكونجرس الأمريكي 700 مليار لانقاذ المؤسسات المالية، فلماذا يتدخلون هنا في قوانين العرض والطلب! أم أنها سياسة المكاييل!
ساركوزي بدوره انتقد الرأسمالية المالية واقترح مراجعتها والبحث عن مخارج للازمة الراهنة، وهذا ما دار في اجتماع وزراء مالية مجموعة الدول السبع الكبار، من محاولة لتأمين على الودائع وضخ سيولة في المؤسسات المالية. وكأنه تأميم لمؤسسات رأسمالية خالصة!
ولكن الحمد لله على لطفه، ففي خضم تلك الانهيارات المالية العالمية إلا أن اقتصادنا العماني لم يتأثر، وهذا التصريح ظهر في وسائل الإعلام على ذمة عدد من المسؤولين معنا، فعلى الرغم من أن دول خليجية مجاورة تأثرت اقتصادياتها تأثرا كبيرا، وعلى الرغم من أننا نعيش في عصر العولمة الاقتصادية الذي ترتبط فيه كل أسواق المال والتعاملات المالية، وعلى الرغم من اللون الأحمر الذي صبغت به شاشة سوق مسقط للاوراق المالية، إلا أننا لا نزال بخير والتصريح مرة أخرى على ذمة المسؤولين!!
إن الأزمة التي تمر بها الرأسمالية حاليا ليست اقتصادية خالصة، بل لها مسببات سياسية أيضا، وفي الولايات المتحدة على وجه التحديد، فهل هي حالة صداع عرضي في الرأسمالية ستتشافى بعده بأخذ بعض الأدوية السياسية والاقتصادية؟! أم أنها الغيبوبة التي ستكسر ظهر النظرية، وتؤسس لصياغة جديدة لاقتصاد العالم؟!


حشر بن خميس المنذري

أعطني تسويقا.. أعطيك شعبا مثقفا

شاعر المليون مثالا




جريدة عمان

شرفات



انتخب أحمد شوقي أميرا للشعراء ، ولا يشكك أحد بشوقي صاحب الديباجة الشعرية الفريدة، ولكنه للأسف انتخب بدون خشبة مسرح ليزرية، ومن غير قناة مفتوحة على مدار الساعة، وبلا إعلانات ملونة على صفحات الجرائد تحمل صوره، ومن غير فرقعات إعلامية صاخبة. بالتأكيد شوقي يستحقها وأكثر، فهو علامة بارزة في الحضارة العربية. ولكن اليوم غير البارحة، فنحن في عصر إبهار الصورة والحدث، نحن في عصر التسويق.
استغرب الكثيرون غياب لقب أمير الشعراء عن تميم البرغوثي، وشاعر المليون عن ناصر الفراعنة، ولكن لم يلاحظ أحد أن الأطفال في مسقط يحفظون مقاطع الفراعنة!! ويرددون قصيدة ناقتي يا ناقتي حتى وإن لم يفهموا معظم معانيها!!
ما هذه الانتفاضة التي حصلت في الوعي بالشعر الفصيح والنبطي ليس في سلطنة عمان بل في العالم العربي من المحيط إلى الخليج؟! إنه سحر التسويق، الذي مكن القائمين على هذه البرامج من إيصاله لبيت المشاهد العربي، وفي المقابل سوقت البرامج الشعر والشعراء والمنظمين والشركات.
ولنأخذ شاعر المليون مثالا لتحليل العملية التسويقة التي نجح بها هذا البرنامج. وهنا لست مخولا للحديث عن المستوى الشعري والجدارة الأدبية للمشاركين أو لجنة التحكيم أو البرنامج ككل، فهذا الباب يطرقه الشعراء والنقاد وعلماء اللغة وفحولها، ولكنني معني بالعملية التسويقية التي خرج بها البرنامج. وهنا استغرب من الهجوم الذي شنه الكثير من الكتاب والصحفيين على البرنامج معتبرينه إساءة في حق الشعر العربي والتراث القومي.
ما حصل أن القائمين على البرنامج طبقوا أساسيات العملية التسويقة مستخدمين أحدث وسائل التسويق.
1: بحث التسويق: حللوا السوق العربي، واكتشفوا سحر الإعلام وصناعة الأبطال في العقلية العربية، فالعرب دائما يبحثون عن بطل، فصبغ البرنامج بلون التحدي والمنافسة. واكتشف البرنامج الموروث اللغوي والشعري للمنطقة العربية فقرر أن تكون هي المنتج الذي سيسوقه من خلال الشعراء المتنافسين. وتأكد من الفجوة في الطلب على هذا المنتج، فلا توجد برامج منافسة بهذا المستوى والفكرة التي قد تهدد بمنافسة للبرنامج
2. أ. التجزئة: حيث يجزء السوق إلى شرائح معينة على اساس ديمغرافي وجغرافي ونمط حياة وحتى مستوى فكري معين.
ب. الإستهداف: ثم حدد البرنامج الشريحية المستهدفة وهي على مستويات متعددة فالفئة الأولى هي فئة المتابعين والمحبين لهذه النوعية من البرنامج، أما الفئة الثانية فهي الشركات التي ستعلن في البرنامج.
ج. التثبيت: ثم ثبتت صورة المنتج في أذهان المتابعين، كونه برنامج الشعر الأول.
3. المزيج التسويقي أو التسويق التكتيكي:
أ.المنتج: حيث حدد البرنامج المنتج وهو الشعر والشعراء الذين يتنافسون على الحصول على اللقب.
ب. السعر: لكل شيء سعره، فمع أن هذا البرنامج سيكلف مبالغ طائلة ستتكفل بها الجهة المنظمة لعل أقلها المليون الذي سيمنح للشاعر الفائز. في المقابل سيكون العائد كبيرا من خلال التصويت باتفاقيات مع شركات الاتصالات، والإعلانات في البرنامج.
ج. الترويج والتوزيع: وهنا يختلط الاثنان في هذه الحالة، حيث وضعت ميزانية ضخمة لتسويق البرنامج من خلال عدة قنوات تسويقية كقناة فضائية خاصة، وباتفاقيات مع قنوات فضائية أخرى تنقل المنافسات النهائية، كما خصصت موقعا على شبكة الانترنت به نتائج المسابقات ومقاطع الشعراء، ولقاءات مع لجان التحكيم. كما دشنت مجلة باسم البرنامج تتابع بصورة أعمق الصدى الذي يثيره البرنامج.
وبكل ذلك سجل البرنامج هويته التجارية كعلامة مسجلة، فالشعار الصوري واللفظي صار معروفا باسم البرنامج، وكانت لديه رسالة تسويقة أوصلها. وأتت نتائج الحملة الإعلانية، فحين لم يكن الشعر النبطي من اهتمامات الأكثرية من متابعي البرنامج، أصبح على رأس القائمة في اهتماماتهم، لأن العملية التسويقية صنعت سوقا لهذا المنتج، واقنعت شريحة كبيرة بأنها تحتاج له وعدم متابعتها للبرنامج ابتعادا عن حدث الساعة.
ناصر الفراعنة لم يحصل على شاعر المليون، ولكنه تسويقيا هو كان الرابح الأكبر. فقد قمت بدراسة سريعة على محركات البحث في الانترنت: " Google " و "Yahoo " و " YouTube " بكتابة كلمة البحث "شاعر المليون" لأجد أكثر النتائج تشير لناصر الفراعنة. ففي "YouTube " تجد كل قصائد ناصر التي شارك بها إلى جانب كبير من التعليقات وردود المتصفحين والعديد من القضايا التي أثارها ناصر. لا استطيع القول بتفوق الفراعنة شعريا، والمأخذ الذي يأخذه الكثير من النقاد عليه هي الديباجة السجعية الصوتية التي تفقد البيت الشعري أكثر معانيه، ولكن تسويقيا هذه الديباجة هي التي نجحت.
البعض يهاجم البرنامج ويتهمه باشاعته للعصبية القبلية، والتحيز القطري على حساب الإبداع الشعري، ولكن في الحقيقة هذا حاصل في كل مجلات الإبداع. انظر إلى كرة القدم على سبيل المثال، هل لأن منتخب آخر يلعب أفضل من منتخبنا سنشجعه؟ لا أعتقد، والبرنامج لم يضرب أحدا على يديه حتى يرسل "مسجات" ليصوت. البرنامج أغراهم بالتصويت وهم اختاروا أن يصوتوا بمحض ارادتهم.
في المحصلة سوق البرنامج الشعر النبطي وجعل الناس تتحدث عنه وتبحث فيه، وسوق لكثير من الشعراء وجعلهم نجوما مشهورين ومعروفين، وسوق لكثير من المعاني العربية والبدوية الأصيلة. وفي مقابل ذلك سوق للعاصمة أبوظبي كونها راعية البرنامج، وجعلها علامة بارزة في الثقافة العربية.
ويطرح السؤا الكبير: هل يمكن تسويق الفعاليات الثقافية التي تشتكي معنا في السلطنة من قلة الحضور والتمويل؟ نعم، يمكن لو سوقت بالشكل الصحيح. إن كنت تريد مخرجا حقيقيا، فيجب أن تضع ما يكافيء المخرجات المنشودة، فالفعاليات الثقافية معنا تعاني مشكلة في التنظيم قبل التسويق. فالمؤسسات الثقافية تعمل بشكل منفصل، ويختفي التنسيق فيما بينها. أعتقد أن أولى خطوات التسويق الصحيح هو وضع كل المؤسسات الثقافية تحت شعار ثقافي واحد "هوية تسويقية واحدة" تتعاون فيه كل المؤسسات لخدمة هذا الشعار وتسويق الفعاليات من خلاله. بعدها يمكن أن تأتي خطوات التسويق الأخرى. وهذا كان واضح من خلال "مسقط عاصمة الثقافة العربية" فكل الفعاليات كانت تحت "شعار تسويقي واحد" مكن من تسويق الفعاليات بشكل أفضل.
قد يتهجم البعض على هذه الفكرة، ويعتبرها فكرة برجوازية عفنة متخيل أننا بالتسويق نعامل الشعر معاملة الطماطم. ولكن الحقيقة أن هذه النظرة هي الواقعية والتي يمكن أن تعيد لشعر ولثقافة بشكل عام شيئا من مكانته. وهل كان الشعر العربي في ذروته وازدهاره إلا قائما عليها في بلاط الخلفاء ودواوين الأمراء؟!!
ومثال على ذلك بحث نشر في السنة الماضية عن مسرح بريطاني كان يعرض مسرحيات كلاسيكية لشكسبير، ولكن المسرح أغرق بالديون وبقلة الزوار والذين يعتبرون زبائن في هذا المقام. فما كان من القائمين عليه إلا الذهاب بهذه المشكلة إلى شركة متخصصة في التسويق. وقبل كل شيء قامت هذه الشركة بدراسة السوق، ووجدت أن هناك طلبا على هذا النوع من المسرحيات عند شريحة معينة من الجمهور. استهدفت تلك الشريحة المحتملة، وأوصلت رسالة المسرح لها، ثم شكلت قاعدة بيانات لعملائها، وعملت على توفير خدمات اضافية ترضيهم. بعدها بفترة وجيزة عاد الربح إلى المسرح وحقق نتائج مالية باهرة، لأن التسويق حل المشكلة. ختاما بكل ثقة يمكن القول: أعطني تسويقا.. أعطيك شعبا مثقفا.


حشر بن خميس المنذري
جامعة جرفث – قسم التسويق
كوينزلاند – استراليا

صناعة الهوية التجارية

قف وانظر لما حولك من أدوات وأشياء، السيارة التي تركبها، معجون الأسنان الذي تستخدمه، الحذاء الذي تلبسه، وحتى الماء الذي تشربه كلها تشترك في حملها لعلامات تجارية تلتصق بحياتنا وتغلفها من كل جانب.
بعد بحث عن ترجمة لكلمة " Brand " في عالم التسويق لمقابلتها في اللغة العربية كانت النتيجة هي "العلامة التجارية" أو "الهوية التجارية"، ولكن أعتقد بأن هذه الترجمة يشوبها بعض القصور.
على كل حال في هذا المقام سنستخدم هذه الترجمة بعيدا عن اشكالياتها اللغوية لنقترب أكثر من دلالاتها التسويقية. يقول أهل التسويق أن "العلامة التجارية" أو "الهوية التجارية" هي الاسم أو الصفة أو الرمز أو التصميم أو مجموع كل هذه الأشياء التي تهدف لتعريف سلعة أو خدمة معينة بغرض تمييزيها عن غيرها من منافسيها. وفي مجتمعنا العماني وعدد من مجتمعات المنطقة العربية يعرف عامة الناس العلامة التجارية بكلمة "أصلي" أو "ماركة" وهم هنا يقصدون أنها علامة تجارية معروفة وموثوقة.
وقد يعتقد البعض خطأ أن العلامة التجارية هي الشعار، إن تصميم شعار جيد دون الأخذ بكافة مكونات العلامة التجارية هو وضع طلاء للشفاه على "غريلا" كما يسخر أحد مدراء شركة لاندر العالمية للتسويق.
ولتقريب الصورة أكثر سنتسائل سؤال بسيطا ومنطقيا، لماذا نشتري منتجات بعينها دون غيرها؟ ليس السعر هو المحدد لهذا الاختيار في أغلب الأحيان، بل هو قيمة هذا المنتج لدى المستهلك. الأمر لا يتعلق بكم من النقود لديك، بل ماذا يعني لك هذا المنتج وما هي أهميته بالنسبة لك أنت شخصيا، وعن كم من النقود والبدائل تستطيع أن تتخلى لكي تقتنيه. فقد تجد شاعرا دخله المادي متدني، يشتري قلم باركر "Parker " بأربعين ريالا، وفي الوقت نفسه ستجد محاسبا في شركة عالمية يستخدم قلم عادي قيمته نصف ريال. إن راتب المحاسب هنا أكثر بكثير من الشاعر، ولكن لا يعني له القلم أي شيء بخلاف تنفيذ مهمة كتابة المعاملات المالية، ولكن هناك علاقة حميمة بين الشاعر والقلم تجعله يتخلى عن 40 ريالا تعني له أكثر بكثير مما تعني للمحاسب. ولذلك فالشاعر سيسعى لاقتناء قلم ذو سمعة معروفة وأداء مميز ومضمون كقلم باركر. ولكن كيف يعرف المستهلك المنتجات ذات الجودة العالية والأداء العالي؟ هنا تأتي الحاجة لوجود علامة تجارية يعرفها الزبون مسبقا قبل عملية الشراء.
وهكذا فالعلامة التجارية هي اتفاقية بين الشركة والزبون، تتعهد فيها الشركة بالإيفاء بالوعود والأداء التي عرفت به هذه الشركة من خلال منتجاتها أو خدماتها. ولذلك تنظر الشركات للهوية التجارية كأصل من أصول الشركة "Asset " وفي المقابل فهي تنتظر منها تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: الحصول على أكبر عدد من حصص السوق، زيادة الولاء للمنتج من قبل الجمهور، والحصول على قيمة فرق العائد من المنتج ذو العلامة التجارية مقارنة مع المنتج العادي الرخيص الذي لا تميزه علامة تجارية.
ويختار الزبائن علاماتهم التجارية لأسباب متعددة اقتصادية واجتماعية وبيئية وسياسية من الشركات التي تنتجتها. فقد لا يكون السعر والجودة محدد للاختيار، فإسرائيل تنتج العديد من البضائع عالية الجودة بأسعار جيدة، ولكنها لا تلقى رواجا في الدول العربية لأسباب سياسية ودينية تجعل المستهلك العربي ينفر من هذه العلامة التجارية. ومثال آخر، كنت أستخدم عطرا لعلامة تجارية معينة، أكتشفت لاحقا أن هذه الشركة هي شركة سجار أصلا وتنتج السجار تحت نفس الإسم فأقلعت عن استخدامه. المنتج ممتاز، وأنا مقتنع بأدائه وسعره، ولكن معلومات اضافية عرفتها عن المنتج أثرت على صورته الذهنية سلبا لدي كمستهلك.
ومن أشهر النظريات الأكاديمية في علم التسويق هي نظرية عدالة العلامة التجارية " Brand Equity " التي وضع أسسها عملاق التسويق كيفن أكير، فمعرفة العلامة التجارية تنقسم إلى أولا: وعي الجمهورالمستهدف بالعلامة التجارية ومعرفتهم باسمها أو دلالاتها: ، ثانيا: صورة العلامة التجارية في ذهن الجمهور المستهدف. وتنبثق من هاذين الشقين المهمين عناصر أخرى تكون العلامة التجارية.
وتعتمد العلامة التجارية على وسائل الإعلام والإتصال التقليدية في إيصال رسالتها وبناء هوية تجارية قوية ثم تثبيتها في أذهان الجمهور المستهدف، كالتيلفزيون والإذاعة والصحف والمجلات واللوحات الإعلانية. كما إنها مؤخرا استخدمت وسائل الاتصال الحديثة كالإنترنت والهاتف النقال لإيصال هذه الرسالة. فحين ينتقى الزبون عادة بضاعته، فأنه يذهب للمنتج المعروف لديه مسبقا والمخزن في ذاكرته، وغالبا ما يكون على شكل علامة تجارية ترسخت في ذهنه عن طريق وسائل الاتصال.
بعض الشركات تستخدم استراتيجية باهضة الثمن ولكنها أكيدة الفعالية ومناسبة لذلك النوع من المنتجات التي تسوقها، وهي بناء الهوية التجارية للجمهور عن طريق تجربتهم للمنتج. فشركة أبل " Apple " للإلكترونيات والبرمجيات أنشأت 100 قاعة عرض بإمكان الجمهور من خلالها تجربة منتجات الشركة.
هاورد سشيلتز صاحب سلسلة مقاهي ستاربكس العالمية، لديه كلمة شهيرة " المنتج يعني التجربة" فهو يرى أن الناس لا تذهب لستاربكس حتى تشرب قهوة فحسب، بل تذهب للاستراخاء، والاستمتاع بالجو المحيط، وحتى الموسيقى هناك، والخدمة المتميزة التي يقدمها العاملون كل ذلك يصنع العلامة التجارية لستاربكس وليست القهوة فحسب. وهكذا احتلت ستاربكس مكانة في عقول زبائنها على أنها مكان يجمع الناس للاستمتاع بالحديث مع بعضهم بصحبة فنجان قهوة. وهكذا نرى جليا أن الهوية التجارية صارت أقل ارتباطا بالمنتج الحقيقي، وأكثر قربا من علاقات المستهلكين بالمنتج. ولذلك فالعلاقة بين العلامات التجارية والمستهلكين اصبحت أكثر تعقيدا هذه الأيام لعل أحد اسبابها المنافسة الشديدة من قبل عدد كبير من العلامات التجارية في نفس الصنف من المنتج، وكذلك أن المستهلكين أصبح لديهم دراية أكثر بالعلامات التجارية وأصولها وحقيقة نشأتها ورسائلها.
إن آخر أحلام مدراء الهويات التجارية أو العلامات التجارية هي وصول المستهلك إلى حالة ولاء كامل للمنتج. فحين يتخيل المستهلك نوعا معينا من المنتجات تقفز علامتهم التجارية إلى ذهنه مباشرة، ويقتنيها دائما ويخبر عنها أصدقائه ويدافع عنها إن تعرض أحد لها.
وليست العلامة التجارية مقتصرة على الجمهور الخارجي للشركة – الزبائن- وإنما الجمهور الداخلي أيضا وهم الموظفين، فالعلامة التجارية إن كانت قوية وفعالة فإنها تشعر الموظفين بانتماء أكبر إلى مؤسستهم وتحفزهم لبذل المزيد. والعلامة التجارية مهمة لجميع الشركات والمنظمات مهما صغر حجمها لأنها تعني بواقع الشركة ومستقبلها.
والعلامة التجارية استراتيجية تسويقية ناجحة لكل المنظمات حتى الغير ربحية، فالأمم المتحدة واليونسكو وغيرها منظمات غير ربحية ولكن لها هوية تجارية. وحتى الأشخاص قد يكونوا هوية تجارية كما أسلفنا، فحين تشتري ديوانا لنزار قباني فأنت على ثقة أن تجد قصائد راقية، وحين تقول علي الحبسي فأنت تتوقع أداءا رياضيا متميزا.
وفي سلطنة عمان وبعد دخول الكثير من المشاريع الضخمة في قطاعات السياحة والاتصالات والخدمات، ظهرت قوة للعلامات التجارية، وبدأت الكثير من الشركات تبني علامات تجارية تنافس بها. ولكن نجد في أحيان كثيرة تشويش في فهم عدد من الشركات حتى الكبيرة لمفهوم العلامة التجارية أو الهوية التجارية وتختصرها في كثير من الأحيان في الشعار والألوان والأخبار الصحفية دون تأسيس حقيقي لها في كل تفاصيل الشركة.
أما المشاريع الصغيرة فللأسف تهمل العلامة التجارية ولا تحاول صنعها في مراحل نشأتها الأولى، فحين يعتقد أصحاب المشاريع الصغيرة أن العلامات التجارية حكر على الشركات الكبيرة فهم يرتكبون خطأ تسويقيا فادحا، فالمشاريع الصغيرة يجب أن تستفيد من صنع علامة تجارية بالتدريج. وإن كانت الآلية مختلفة هنا، ففي المشاريع الصغيرة يكون الاعتماد في صناعة العلامة التجارية قائم على صاحب العمل بشكل شخصي. فالطريقة التي يتعامل بها مع زبائنه، وإدارته لمشروعه، وترتيبه لخدماته وإيفائه بوعوده يجعله يصنع علامة تجارية تنمو شيئا فشيئا حتى تترسخ في أذهان زبائنه.
للعلامات التجارية سحر خفي ينظم العلاقة بين الإنسان والجماد، ولا يمكن بنائها بين يوم وليلة، بل هي حصيلة الكثير من التخطيط والإدارة والتسويق، وهي إلتزام في الوقت ذاته حين تكون العلامة التجارية الكف التي تحمل سمعة الشركة.


حشر بن خميس المنذري
جامعة جريفث – قسم التسويق
استراليا