الاثنين، ١٩ ديسمبر، ٢٠١١

حارة الشمشم في الفيس بوك


لن نعيد الحديث عن قصة الفيس بوك، لأن التكرار قتلها. ولكن لا يمكن أن نتجاوز آخر إحصائيات هذا الموقع الإلكتروني التي تتنامى بشكل مجنون، ليتعدى الفيس حدود الواقع الافتراضي للانترنت ليغير مفاهيم السياسة والإعلام والتعليم والفن وحتى العلاقات الاجتماعية على أرض الواقع. يبلغ عدد مستخدمي الفيس بوك حتى الأسبوع الماضي أكثر من 800 مليون مستخدم فعال، والرقم في تضاعف مستمر.
هذا التأثير العالمي للفيس بوك امتد للعالم العربي ولكن بمنحنى آخر. إذ يعتبر الفيس بوك أداة للتواصل الاجتماعي في فكرته الأساسية عالميا، إلا أنه أداة للتواصل السياسي في العالم العربي. وذلك يعود لتخلف هذه الدول في قضايا الديمقراطية وحرية التعبير. فأتى الفيس بوك ليفتح نوافذ لكل الناس، ويصبح الفيس بوك صوت من لا صوت له.
ولأنني ضد الخصوصية العمانية في حالتها المرضية، أعتقد أن هذا التأثير امتد إلى السلطنة وأثر فيها كما أثر في غيرها من الدول والمجتمعات العربية. وربما لأول مرة نرى في السلطنة تفوق المجتمع والمستخدمين الأفراد على المؤسسات الحكومية ذات التنظيم المؤسساتي والميزانية الكبيرة. فالمؤسسات الحكومية لم تكن رشيقة بما يكفي لتتعامل مع قوانين الإعلام الجديد. وإن كنت أرى في الفترة الأخيرة اجتهادات لمؤسسات حكومية تهدف للحاق بهذا الركب.
ولكن ليس الفيوس بوك في نسخته العمانية سياسيا صرفا!! وإن طغت هذه الصفة في بعض الظروف، إلا أن هناك مجموعات عديدة تهتم بالتصوير والرياضة والتقنية تعتبر الفيس بوك متنفسا كبيرا.
وهناك مجموعات عمانية أخرى تختلط فيها كل هذه الأشياء. لي تجربة مع مجموعة عمانية اسمها (شباب الشمشم). هي حارة من الحارات العمانية على الفيس بوك، سكانها تقريبا 30 مواطنا. يصعد النقاش أحيانا ليناقش أكثر القضايا السياسية حساسية مثل (الديمقراطية في برنامج حوار الشباب). ويحتمد النقاش في حالات أخرى على نكتة يطلقها أحدهم أو صورة يلعب في تفاصيلها مواطن شمشمي آخر مثل (الطلاء الأخضر). وإن كانت إحدى سلبيات الشبكات الاجتماعية أن مستخدميها ينسحبون من الحياة الاجتماعية الطبيعية، فالحالة مختلفة مع الشماشم، لأنهم يلتقون فعليا باستمرار، واستطاعوا نقل مجموعتهم الافتراضية إلى أرض الواقع وانجزوا عدة مشاريع وطنية. منها حملة نظموها لمساعدة الصومال في محنتها. وتكللت مساعيهم بالنجاح، حيث نظموا فعالية كبيرة في إحدى المجمعات التجارية استقطبت عدد كبيرا من الجمهور والتبرعات. وتوجت تلك الجهود بأن أحد أعضاء المجموعة سافر إلى الصومال لتسليم المساعدات مع الجمعيات والهيئات صاحبة الشأن. لا نريد لهذا الحراك الإلكتروني أن ينتهي البتة، لأنه ينتقل بالمجتمع والدولة إلى خطوات متقدمة من الحوار والمصارحة والشفافية.

الاثنين، ٢٤ أكتوبر، ٢٠١١

فلاح التفاح.. ستيف جوبز

لأمريكا ألف وجه ووجه أقبحها المارينز، وأحلاها ستيف جوبز! الرئيس التنفيذي السابق لشركة آبل، هذا المخترع الأسطورة الذي ملء العالم ضجيجا ورحل في صمت مطبق.
هو فلاح أمريكي يزرع التفاح الإلكتروني، ويوزعه على العالمين، ليس مجانا ولكن بقيمة معقولة في مقابل تقنيات متفوقة. هو ليس مجرد مخترع بل كان قائد ملهم، ومسوق بارع. على الرغم من منصبه وثراءه إلا أنه كان يلبس الجينز ويعمل لساعات طويلة!

الفرق بين جوبز وغيره من الصانعين أنه يتعامل مع الأجهزة الإلكترونية المعقدة كقصيدة شعر، أو لوحة تشكيلية، أو طبخة لذيذة. لذلك هو تغلغل في تفاصيل حياتنا، وتقاسم معنا مشكلاتنا واحتياجتنا وسعى دوما إلى حلها. أهدانا الآي بود، والآي فون، والآي باد، والقائمة تطول.
من أقواله المحفورة في الذاكرة: "لقد كنت أملك أكثر من مئة مليون دولار عندما كان عمري 25 عاماً. لكن لم يكن لذلك أي أهمية لأنني لم أكن أفعلها من أجل المال". وهذا هو الفرق بينه وبين "هواميرنا"، الذين يلهثون خلف الريال قبل المليون ريال، بغض النظر عن الإضافة الإنسانية في مشاريعهم، أو تطول الإنتاج البشري!

اكتشفنا فجأة بعد رحيله أنه من أصول عربية، ولا نعرف أهذه شهادة أم أنها تهمة! لأن لهذه الأمة تاريخ طويل في النكران، تنكل بأبنائها في الحياة، وترثيهم بمعلقات عصماء بعد الموت! فلو كان ستيف جوبز في بلده العربي اليوم، فإما إن يكون محاصرا، أو من الشبيحة!


حزن العالم من أجل وفاة فارس آبل، أما نحن وإن حزنا فكان جدالنا ولايزال هل يجوز الترحم عليه أم لا يجوز؟! وهل إسمه الحقيقي ستيف جوبز أم سيف يعقوب؟! أعتقد أن العالم يجب أن يتألم لموت مثل هذا العبقري بغض النظر عن دينه أوعرقه لأنه كان نافعا للبشرية ككل

يقول الشاعر أحمد مطر:
شَعْـرةُ ظُلـمٍ تَنسِـفُ وَزنَـكَ
لـو أنَّ صـلاتَكَ أطنـانْ !
الإيمـانُ الظالـمُ كُـفرٌ
والكُفـرُ العادِلُ إيمـانْ !

السبت، ٢٤ سبتمبر، ٢٠١١

يريدونه زمنا للسكوت وملازمة البيوت!

لماذا الصحافة؟ لأنها رمانة الميزان التي تضمن العدالة في المجتمع، فلا تطغى سلطة على سلطة، ولا تتفق سلطة مع سلطة، هي صوت الناس ومرآة الواقع بكل جماله وعيوبه.
هكذا هي الصحافة في جوهرها، ولكننا في بقعة من العالم لم تعرف من الصحافة إلا قشورها على مدى سنوات، مجموعة من الأوراق عليها صور وأحبار، يستهلكها البعض ويزهد فيها الأكثرية. وإن قرأت إحدى هذه الصحف فهي تغنيك عن البقية، لأن أقسام العلاقات العامة في المؤسسات الحكومية والشركات ترسل ذات الأخبار لجميع وسائل الإعلام، والتي لا تكلف نفسها حتى تغيير العناوين.






أتت الزمن لتلقي حجرا في المياه الراكده، فكاد أن يسحبها التيار! إن هذه القضية ليست بين جريدة الزمن ووزير العدل، إنها بين حرية الكلمة وطغيان السلطة. كنت أعتقد أن درس الإعتصامات كان كافيا، ولكن ما يبدو جليا أن البعض لم يتعلم الدرس على بساطته! في خضم الإنفتاح الإعلامي الذي يجتاح جميع الدول نرى هذا الإنكسار الذي لن يكون لصالح أحد على هذا الوطن إلا المنتفعين من غيبوبته! إنها قضية تفجر تسائلات وتطلب استحقاقات وطنية، هل يستطيع مواطن بسيط تحريك دعوى قضائية بالهاتف من أمريكا؟ لماذا يشرب المسؤولون شهد الوظيفة الحكومية التي لا يرون فيها أي أشواك؟ نفهم عقوبة الإيقاف والغرامة ولكن لماذا السجن بحق صحفيين؟! وما هي طبيعة العلاقة بين وزارة العدل والقضاء؟
لماذا نحن منحازون للزمن؟ لأن الكلمة هي حلنا الوحيد أمام هذا التهميش السياسي الذي يتعرض له هذا الجيل! فليس هناك تمثيل برلماني "حقيقي" أو نشاط سياسي في البلاد. كل المؤسسات الحكومية والخاصة تعبر عن وجهة نظر واحدة تجمعها المصالح المشتركة، والتي في بعض الأحيان لا تكون بالضرورة من مصلحة المواطن البسيط! ليس لنا إلا الكلمة ونحن نراها الآن تخنق في قضية الزمن.


لدينا وعود كثيرة بسلطات تشريعة ورقابية لمجلس الشورى في المراحل القادمة، ولكن ما الفائدة من هذه التشريعات إن أتت بدون صحافة حرة ومستقلة، فإن اتفقت الحكومة مع مجلس الشورى فكيف سيكون الحال في البلاد! بدون صحافة حقيقية تستطيع أن تراقب وتسأل ستضيع البلد بين هؤلاء وهؤلاء.


هل صحافتنا الآن تلعب هذا الدور أو دور قريب منه؟! ليست لدينا صحافة، لدينا مطبوعات علاقات عامة، تابعة للجميع ولا يتبعها أحد، ومن يقول إعلامنا بخير إما كاذب أو جاهل. ولأن الزمن حاولت أن تلعب ذلك الدور يواجه رئيس تحريرها ومحررها السجن لمدة خمسة أشهر! ما هي الجريمة العظيمة التي ارتكبها إبراهيم المعمري ويوسف الحاج؟! ربما لأنهم حاولوا كسر قوانين اللعبة في عمان؟! فحين تريد أن تتعامل صحفيا مع وزير فعليك أن ترسل الأسئلة مطبوعة إلى مكتب معاليه وحين يجد وقتا سيعدلها ويضيف عليها وينقص منها، ثم اكتب الحوار وأرسله مرة أخرى ليعتمده معاليه، ليخرج في النهاية وكأنه خبر صادر من قسم العلاقات العامة لوزارة معاليه يقول أن الحياة وردية ونحن أفضل الناس في الدنيا. هكذا هي الصحافة في بلادنا!


ماذا يراد منا؟ أن نتحول أشباحا على الإنترنت، نحتال الألف حيلة لكي نتخفى، أو نتحول إلى مشاريع نباح لا تعرف المنطق ولا الدليل. أن ندخل في دائرة الاحباط الوطني ونعتبر أن الوطن هو جهاز صرافة نأخذ منه الراتب في نهاية الشهر وتكون أكبر غاياتنا هي زيادة ذلك الراتب. أن نكتب مقالاتنا على ألسنة الحيوانات كحكايات كليلة ودمنة وأشعار أحمد شوقي، وتبدأ الكوميديا السوداء في حوار الغزالة مع الحمار؟!
إن تحجيم الصحافة ومحاصرتها بقوانين المطبوعات والنشر والإنحياز لأصحاب السلطة والتنكيل بأصحاب الكلمة يخرج الجميع من دائرة التأثير الوطني ويجعل الحكومة لوحدها في هذه الدائرة متمثلة بأكبر مسؤوليها. ولكن بذلك تتحمل الحكومة ولوحدها جميع ما يحصل من أخطاء وتراجعات وانتكاسات على جميع المستويات الوطنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. فإن حصلت اعتصامات، أو تضررت مصانع، أو توقفت مدارس فالحكومة تتحمل وزر ذلك لأن المشهد ليس به إلا لاعب واحد وهو الحكومة. لن نلوم الصحافة لأن لها في الزمن أسوة. لن نلوم مجلس الشورى لأن ليس لديه صلاحيات، لن نلوم الأكاديميين في الجامعات لأن ليس لهم كيان، سنلوم الحكومة فحسب.
أخيرا استذكر هذه الحادثة المعروفة حين عم الدمار أنحاء بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، قام رئيس الوزراء الإنجليزي ونستون تشرشل بجمع وزراءه وسألهم عن وضع البلاد، فكان الجواب أن الدمار مروعا!! التفت تشرشل إلى وزير العدل وسأله: كيف هو العدل في بريطانيا!! قال الوزير: العدل بخير يا سيدي. قال تشرشل: إذن نحن بخير!!
فهل نحن بخير؟



الزمن




24 سبتمبر 2011

الثلاثاء، ٣١ مايو، ٢٠١١

نحو حكومة التكنوقراط




ديباجة:
"السلطة بدون حزم تؤدي إلى تسيب خطير، والحزم بدون رحمة يؤدي إلى طغيان أكثر خطورة"
غازي القصيبي
****
أعتقد أنه من الصعب أن يعطي أحد تفسيرا واحدا شاملا لما حصل ويحصل في بلادنا منذ ثلاثة شهور وحتى الآن! لأن محاولة الفهم تطرح تسائلات أكثر مما تطرح إجابات. ولكن الأكيد أنها مرحلة تمثل تراكمات أخطاء الماضي، ومواجهة لكل القضايا المؤجلة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية.
والتسائلات كثيرة لا تنتهي لعل أبسطها: ما الذي حدث للشخصية العمانية؟! بعد أن كانت هناك مؤسسات تراهن على طيبتها الزائدة، واحترامها المفرط، لنجد أن مسؤولا حكوميا "رفيعا" ذهب ليحدث مجموعة من المعتصمين فكان ردهم "قاسيا" وعباراتهم جارحه. لماذا؟
قد يكون جواب البعض: "مس قلبي ولا تلمس رغيفي"، وهذا ينطبق على مجموعة كبيرة من المعتصمين الباحثين عن فرص وظيفية أو زيادة رواتب أو تحسين أوضاع معيشية، ولكن كانت هناك مجموعات أخرى من المعتصمين، بعضهم أطباء، ومهندسين، وشعراء، وكتاب، وصحفيين، وموظفين لهم مطالبهم مختلفة تتعدى ذلك.
وقد باردت الحكومة بحزمة من التغييرات شملت تعيين وزراء جدد، وإلغاء لمؤسسات حكومية قائمة مثل وزارة الاقتصاد الوطني مثلا والإعلان عن مؤسسات جديدة مثل هيئة حماية المستهلك، ولكن الإشكالية التي تواجه هذه التغييرات أن ليس هناك جدول زمني يوضح خطوات الاصلاح القادمة ويفند المطالب التي لا يمكن تحقيقها. واستمرت الاعتصامات السلمية التي كان يقال عنها أنها محمودة وقانونية، وتحولت بين عشية وضحاها إلى اعتصامات غير قانونية وغير مصرح بها وانتهى المطاف بالحل الأمني الذي تردد أنه يعيد للدولة هيبتها في مقابل آخرين احتجوا أن أحدا لم يمس هيبة الدولة.
دوامة كبيرة كانت تعصرنا ونعصرها، نتفق مع البعض ونختلف مع البعض الآخر، نغير مرئياتنا في اليوم أكثر من مرة نتيجة حدث أو انعطاف. ولكن أكثر ما ابهجني في تلك الدوامة هي بعض الوجوه الجديدة التي دخلت إلى مراكز صنع القرار على مستوى الدولة. أشعر بسعادة غامرة حين أرى وطني يختار أنجب أبناءه لمفاصل إدارية قيادية. يختارهم بمعايير الكفاءة فحسب، ليس لحسابات سياسية ولا توازنات قوى ولا محاباة وبدون توصيات. هل هذه هي المثالية؟ فلتكن!
أشعر بإحترام كبير للبزات العسكرية، ونياشين الشجاعة والخدمة الطويلة والسلوك الحسن، لأني على يقين أن مرتديها هم خط الدفاع الأول عن هذا الوطن إن تعرض لا قدر الله لمكروه، وأن الحياة معهم تتساوى تماما مع الموت حين يُمَسُ تراب هذا الوطن. وأراهم دائما أجدر بالخنادق والثكنات، وأجدهم أكثر حنكة وحصافة في غرف الأركان والعمليات.
أحترم القبيلة كوحدة اجتماعية، وأرى أنها جزء في منظومة المحافظة على عادات هذا البلد وجزء من تاريخيه وحضارته. وأرى شيوخ القبائل لحضورهم الاجتماعي ضرورة في الأفراح والأتراح. وأنهم مرجع أولى لفض الخصومات وإعادة المياه الاجتماعية إلى مجاريها. لذلك أرى الشيخ دائما أجدر بسبلته بين أفراد عشريته.
يحاول الكثيرون ممارسة التجارة، ولكن يبقى التجار الحقيقيون في السوق، يصنعون الأموال والأرباح وبهم أيضا تحصل الاستثمارات وتقام المشاريع وتعمر الأرض. لذلك في الأسواق مكانهم، يديرون عقاراتهم، ويقسمون أراضيهم، ويبيعون أسهمهم.
فليتكرم علينا كل هؤلاء بالتركيز على تخصصاتهم واهتماماتهم وليخلو وجه الحكومة للتكنوقراط، فهؤلاء هم "الجوكر" في هذه المرحلة للرقي بالأداء الحكومي. والتكنوقراطية مصطلح يوناني الأصل ويقصد به حكومة الفنيين، وتلجأ إليها الدول حلا للخلافات السياسية. وتتشكل هذه الحكومة من الاقتصاديين والمعماريين والمهندسيين وغيرهم من الفنيين. بمعنى أن هؤلاء المشتغلين في ميادين العلوم المختلفة يستنبطون تفسيرات لظواهر اجتماعية معقدة، ويطبقون عليها تجربتهم للوصول إلى حلول أكثر فعالية وتنظيما.
قد تكون هناك تجارب تكنوقراطية غير موفقة فيما سبق ولكن هذا ما لا يقاس عليه، المسألة تحتاج إلى نظام تكنوقراطي متكامل وليس عملا فرديا، للوصول إلى حكومة أدائها فعال يغلب عليها الطابع العملي أكثر من بهرجة البروتكول. حكومة تعمل بشفافية، تعتذر إن أخطأت وتحاسب من تجاوز. ولا يعيب أي حكومة أن تكون هناك أخطاء، لكن العيب هو التستر عليها ونكرانها.
في التغييرات الأخيرة قدرات تكنوقراطية على مستوى وزراء ووكلاء وزارات أنا متفائل بهم إلى أبعد الحدود، أطباء ومهندسون وأساتذة جامعات واقتصاديون كان لهم كل التقدير والاحترام في مؤسساتهم السابقة نتيجة قدراتهم العملية ومواهب القيادية. أتمنى أن تتاح لهم الفرصة كاملة لتحقيق رؤية عمان الجديدة.




ملاحظة:

الصورة الأولى لهلال البادي

الصورة الثانية لمحمد الحبسي

الاثنين، ٣٠ مايو، ٢٠١١

وطاويط الثقافة

الفراشة مذهبها المسير إلى النور على الرغم من أنه يحرقها، والوطاويط معشوقة الظلام! هذا التوصيف ينطبق على البشر أيضا، فهناك وطاويط على مستوى الدول والأمم، إنهم المنتفعون من الوضع الفاسد في كل القطاعات، العسكرية والسياسية والإجتماعية والثقافية. ونقف عند الثقافية، فقد يجد السياسي الكثير من المسوغات ليكون حاجبا للحقيقة، ولكن المثقف لا عذر له، لأن أساس صنعته أن يكون ضمير الناس، فكيف يصلح الناس وضميرهم فاسد!
من هو المثقف؟ هذا سؤال يقودنا إلى جدل بيزنطي لا ينتهي، ولكن فهمي الشخصي على الأقل أن المثقف هو شخص مهتم بالشأن العام وباستطاعته تكوين رؤية خاصة وموقف مستند على قراءات وتأملات يعبر عنها بطريقة إبداعية. وليس الكتّاب لوحدهم مثقفون، فالأطباء والمهندسون والمحامون والاقتصاديون هم مثقفون متى كانت لهم قراءات ورؤية ووجهات نظر.
واقتضى المشهد العماني وجود تقسيمة بين المثقفين ليس على اعتبارات الكلاسيكية والحداثة بل بمدى التزلف والمواجهة حتى قبل الأحداث الأخيرة من الإعتصامات والتغييرات الإيجابية التي حصلت في السلطنة. فكان بين المثقفين منظرين للخطأ لكي ترضى عنهم المؤسسات الرسمية متمثلة بشخوص المسؤولين فيها، ومنهم يحصلون على دعوات عشاء وسفريات ودورات ومكافئات وعطايا. وفي الطرف الآخر مثقفين قالوا الحقيقة فكان مصيرهم التهميش والتجاوز. وبين هؤلاء وهؤلاء أغلبية صامتة منكبة على ذاتها، غارقة في وجوديتها.
ولكن أكثر ما يثير الحنق هي تلك الوطاويط الوطنية – التي تحسب نفسها وطنية- والتي تُوَقْوِقُ مع كل موجة، فحين كان المثقفون الحقيقيون ينتقدون ويفندون الواقع العماني كانت هذه الوطاويط تشكل جبهة تسفيه وتحقير للطيور الحرة، وكانوا يقسمون أغلظ الأيمان أنهم يحبون الوطن أكثر من الآخرين وأن ليس بالإمكان أبدع مما كان.



حين بدأت الإعتصامات وطفت على السطح كل المشاكل المأجلة وأدركت الحكومة أن التغيير ضروري على صعوبته، وفي يوم واحد تم تعيين 12 وزيرا جديدا في الحكومة العمانية، وظهرت للوجود هيئات ومؤسسات جديدة من شأنها الإنتماء إلى المواطن وقضاياه كالرقابة المالية والإدارية وحماية المستهلك. المشكلة أن تلك الوطاويط لم تخجل من نفسها وتعتذر، بل سلكت مسلكا آخر تقول فيه: التغيير حصل، ماذا تريدون أكثر؟ أنتم لا تحمدون الرب على النعمة! بل الأكثر من ذلك أن الوطاويط بدأت تستهدف المثقفين في الطرف الآخر الذين نزلوا إلى الجمهور وشرحوا وحللوا وكتبوا حتى نال بعضهم التحقيق والحجز. بدأت الوطاويط تبحث في قضايا المثقفين الشخصية: فلان يشرب الخمر، وفلان لديه خليلة، وفلان صرفت عليه الدولة! ولا أعرف ما دخل هذا بالعمل الوطني والاجتماعي؟ لماذا تناقشون من هم هؤلاء ولا تناقشون ماذا يقولون؟ هل لأن كلامهم أكثر إقناعا؟!
أحمد فؤاد نجم يسلم على الوطاويط ويقول: إنتوا دود الارض والافه المخيفه.. إنتوا ذره رمل فى عيون الخليفه.. إنتوا كرباج المظالم والمآسي.. إنتوا عله ف جسم بلدي.. إنتوا جيفه!!

الاثنين، ١٨ أبريل، ٢٠١١

راكبو الأمواج الوطنية

تعجبني مشاهدة ممارسي رياضة ركوب الأمواج، فالواحد منهم لا يتحدى الموجة ولا يقف أمامها، بل يعطيها ظهره ووجهه يم الشاطيء ممسكا بلوحه. وتبدأ الموجة صغيرة فيتبعها خلسة، وبحذر شديد يبدأ بزيادة سرعته مع الموجة، وحين تكبر الموجة أكثر فأكثر يضع لوحه ويقفز عليها ويبدأ بالصعود عليها وتراه يكبر كلما كبرت تلك الموجة. يعجبني راكبو الأمواج في الشواطيء ولكنني أكرههم في العمل السياسي والإعلامي. لأن ممارسي هذه الرياضة على المستوى الوطني هي أهم محاور الفساد واستمرار الطغيان والتنظير له. وقد كشفت الثورات العربية الأخيرة الكثير عورات هؤلاء، وعرتهم أمام الجماهير.

وفي الثورة المصرية الكثير من العبر والمقارنات لأنها كانت تنقل على الهواء مباشرة. كانت القنوات المصرية الخاضعة لسلطة وزارة الإعلام والنظام المصري السابق تكذب على المواطن المصري والعربي، كانت تهاجم المعتصمين في ميدان التحرير وتتهمهم بالخيانة والعمالة لدول أجنبية. وكان مذيعي تلك القنوات والضيوف من أكاديمين وسياسيين وفنانين يمعنون في شتم أحرار مصر. وحين ظهر الحق وزهق الباطل اكتشفنا أن من في التحرير كانوا خيرة شباب مصر، وأنهم الوطنيون الحقيقيون، وأن أركان النظام القديم بإعلامه لم يكونوا إلا بؤر فساد وإفساد. العجيب أننا كنا نرى الموافق تتبدل بين عشية وضحاها، وتحجج الكثيرون بأنهم كانوا يؤدون عملهم، وتحجج البعض الآخر بأنه كان مضللا أو مرغما، ولكن لا عذر لهم.

فالإعلام رسالة قبل كل شيء، وأمانة تتخطى حدود الراتب والوظيفة. لو فسد الإعلام سيفسد كل شيء، ولو صلح الإعلام فسيفضح كل سوء! الإعلامي الكبير حمدي قنديل اعتزلهم وما يدعون ردحا من الزمن، وثبت على موقفه لأنه يحترم نفسه وشرف مهنته. والإعلامي محمود سعد كان يعمل موظفا في التيلفزيون ولكن رفض أن يشترك في جريمة الكذب الحصري على التيلفزيون المصري. أما مقبلي الأيدي وماسحي أحذية السلطة، قفزوا من حبل الولاء إلى حبل النضال فجأة، وتحول المداحون إلى ثوار!! فأين المصداقية والمهنية؟ مع من استطاب الترف والأضواء؟ أو من رفع يديه عن الدنس؟!
فرئيس قناة الفراعين بدل جلده بعد تنحي الرئيس أو قل عزل الرئيس، وأتى بكل بجاحه ليقول أنه كان ب "يشكّر في الرئيس" مع أنه كان يعلم بأنه رأس الغباء السياسي، واعتبر أن هذا من سبيل الذكاء الإجتماعي والإعلامي!! وغيره كثيرون من خرجوا يلعتذروا للثوار، ولكن بعد ماذا؟ لا عذر لهم اليوم. سقط أولائك المداحون سقطة مدوية لأن كلامهم مسجل، ومقالاتهم محفوظة. وما يشغلنا الآن هو انتظار سقوط بقية الفزاعات ودمى القش، ويومها لن يمنعنا أحد من الشماتة والتشفي! ملحق أنوار 18 ابريل 2011

الاثنين، ١٤ مارس، ٢٠١١

وإنه لقسم لو تعلمون عظيم


إن ما يحصل في السلطنة هي عملية جراحية مؤلمة ولكنها ضرورية. مخاض سياسي واجتماعي ليس على مستوى المؤسسات والهيئات، بل حتى على مستوى المواطن. يأتي هذا المخاض بعد تراجعات عدة على مستوى التخطيط الاقتصادي، والسياسات الإعلامية، والإجراءات الإدارية أوصلت المواطن العادي إلى حالة من الإحباط، وانتقل الكثير من المفكرين والمثقفين إلى عزلة مقصودة، وسلبية منكرة.
في المقابل كان هناك البعض من المخلصين الذين رفعوا أصواتهم، ونبهوا، وكتبوا، وطالبوا، ولكن للأسف لم يستمع لهم أحد. الدكتور أنور الرواس، رئيس جمعية حماية المستهلك بح صوته وهو ينادي في القوم أن المؤسسات الحكومية المختصة تتجاهل الجمعية، وأن الجمعيات الفنية والأدبية تحظى بعين الرضى أما جمعية حماية المستهلك فتكسر مجاديفها وتهمش مطالبها لأنها تنتمي للمواطن البسيط الذي لا صوت له.
أما الجمعية الاقتصادية العمانية فقد انتزعها مؤسسوها من فك الأسد، ولا تتوقع أن تدخل يديك في فم أسد ولا تخرج بجروح غائرة، هذا إن كنت قويا بما يكفي لتنتزعها. الشيخ محمد الحارثي رئيس الجمعية تحدث وتحدث، فلا هم استمعوا ولا هو صمت. كان صاحب موقف حول الخطة الخمسية الأخيرة، وقال فيها ما لم يقله مالك في الخمر. قال أن الكوادر العمانية يجب أن تأهل بطريقة صحيحة، وأن المشاريع الحكومية لا يجب أن تركز على الإنشاءات في المرحلة القادمة لأن تلك المشاريع تتطلب عمالة أجنبية ستربك سوق العمل وسياسات التعمين أكثر مما هي مرتبكة! بل أن الجمعية أقامت مؤشرا اقتصاديا في عمان كانت أبرز نتائجه أن هناك إزدواجية رهيبة بين السلطة ورأس المال في السلطنة تأدي إلى خلل اقتصادي كبير. ولكن على من تقرأ زبورك يا محمد!!
الدكتور حاتم الشنفري قرأ المشهد قراءة استباقية من خلال الجلسة الشهرية التي أقامتها الجمعية وكانت كل توقعاته صحيحه، ليس لأن الشنفري يفتح بالمندل، أو يقرأ فنجان الاقتصاد العماني، بل لأنه قرأ الأرقام التي كانت تصدرها وزارة الاقتصاد الوطني (الملغاه) قراءة متجردة وصادقة بعيدا عن أي مصالح، وخالية من تلميع العلاقات العامة. قال الشنفري أن البحث عن عمل في السلطنة قنبلة موقوتة تتجاهلها الجهات المختصة. وقال أن نسبة مخرجات الثانوية العامة التي تدخل إلى التعليم العالي نسبة ضئيلة جدا تجعلنا دولة في آخر القائمة عالميا. كان الخبر في وسائل الإعلام على استحياء، وما لقي إلا الاهمال من المختصين. شكر الله سعيكم يا دكتور!
في إحدى اجتماعات جمعية الكتاب والأدباء، طرح على الحضور اقتراح قدمته وزارة التنمية الاجتماعية بخصوص قانون جديد ينظم عمل الجمعيات والتي هي معنا في سلة واحدة - القانون الذي يحكم جمعية المرأة هو نفسه الذي يحكم جمعية الصحفيين والكتاب والمحامين! - كان مقترح القوانين الجديدة هو تراجع عما هو معمول به في القانون الحالي، وقد طلبت وزارة القوى العاملة من الجمعيات الرد خلال ثلاثة أيام وإلا سيعتبر عدم التعليق هو موافقة على مقترحات القانون الجديد! هل يمكن أن تتعامل جهة حكومية بهذه الصلافة مع مؤسسة مجتمع مدني يفترض أنها تحوي نخبة من المفكرين والمثقفين!
كانت أعين بعض المسؤولين عمياء، وآذان بعضهم صماء عن الحقيقة وعن المواطن البسيط. كانت هناك وجهة نظر حكومية واحدة لا تقبل النقاش أو القسمة على اثنين. والمسألة في كثير من الأحيان لا تتعدى توجهات فردية أو اجتهادات شخصية!
عفى الله عما سلف، ولكن يجب أن نتعلم من الدرس جيدا. وأنا أرى أن ما أنجز خلال الأيام القليلة الماضية ممتاز جدا ويبشر بالخير الكثير. فالتعديلات الوزارية التي أجراها حضرة صاحب الجلالة سلطان البلاد المفدى تدل أن القيادة العمانية تراهن على المواطن وفقط. وقد أدى معالي الوزراء قسم اليمين أمام المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة سلطان البلاد المفدى. وإنه لقسم عظيم على مسؤولية ثقيلة كان الله في عونهم على تحملها. إن أمام هذه التشكيلة الوزارية مهام كبير فهي مرحلة الحقيقة والشفافية.
إن الانخراط في الخدمة العامة وقبول أن تكون على رأس هرم المسؤولية يتطلب أداء إداري واحترافي عالي جدا، فذلك يضع مواطنا عاديا في دائرة الضوء والتدقيق والمحاسبة. ولكنها بكل الأحوال ليست طريقة للتكسب والثراء. فمن المعروف أن الوظيفة الحكومية لا تأتي بالثروة، ومن أرادها فعليه أن يستثمر في شركة عابرة للقارات، أو يؤسس لبنك، أو يكون ملك للعقارات. أما الوظيفة الحكومية فهي السهر الدائم على خدمة المواطنين، وهي تحمل المسؤولية الكاملة عن اخفاقات المؤسسة أو أخطاء صغار الموظفين فيها.
لذلك أتمنى من جميع المسؤولين استشفاف آراء الناس قبل إصداء القرارات والتوجيهات، والنزول إلى الشارع على الدوام، والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة فهمي بكل تأكيد أفضل من التفرد بالرأي والحكم

الاثنين، ٢١ فبراير، ٢٠١١

أم الدنيا.. وأبوها كمان

حالة من الاحباط كانت تسود عالمنا العربي، إحساس بالضعف وقلة الحيلة أمام تقدم العالم ليس في مجال التكنلوجيا بل في مجال احترام الإنسان وإعطاءه أبسط حقوقه لأنه إنسان. وقد ظلمت نفسي ومن حولي بإحباطي الدائم وكنت أتسائل: لماذا يتفائل المتفائلون؟! فقد وصل الاستبداد في عالمنا العربي منتهاه، حتى أن أجهزة الأمن التي من المفترض أن تحمي المواطنين تحولت إلى أداة قمع تقهر الوطن وتسحق أحلامه. وكان لسان حالنا يقول: يا ليل الصب متى غده؟!!
وعلى غير المتوقع، أتى غده. إن كل ذلك الظلم والقهر هو ما دفع البوعزيزي ليشعل شرارة التغيير في تونس، ولا أقول مصر من بعدها. أعتقد أن الثورة المصرية بدأت قبل الثورة التونسية ومعها وبعدها. فقبل تلك الشرارة التونسية استمات المصريون سياسةً وأدباً وفناً وسخريةً في هجاء الإستبداد، وتعرية القمع. كان النظام في مصر يشيع أن المصريين سيثورون بعد أن يثور أبو الهول. كذبت نبوئتهم!
يا كاتب التاريخ خذ دفاترك وسجل، أنه في 25 يناير فاض النيل على آخره، وأن الأهرامات ترافقها المسلات غيرت مكانها زحفا إلى ميدان التحرير. سجل يا تاريخ درسا للحضارة الإنسانية بكل لغات العالم، ولا تنسى الهيلوغريفية لأنها من أقدمها. ثورة تجلت فيها الدروس والعبر، أولها: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيئ قدير).
ثورة هي الأولى من نوعها في كل شيء، بدءً من أعداد المشاركين فيها وانتهاءً بكوميدياها الساخرة حد البكاء. ثورة على الهواء مباشرة، تفضح الإعلام الرسمي، الذي كان بوقا غبيا. فبينما كان إعلام السلطة يظهر لك "الكوبري" والسيارات عليه "زي الفل"، كان شباب التحرير يحتالون تقنيا على التعتيم الإعلامي الذي فرضته السلطة من خلال تصوير مقاطع ورفعها على الشبكة العالمية، كانت تظهر مستوى القمع والطريقة الوحشية في التعامل مع المتظاهرين.
قبل 50 عاما خرج الشيخ القرضاوي من مصر بعد أعوام من السجن والتعذيب والتنكيل. خرج طالبا للحرية ولقمة العيش. الجمعة الفائتة عاد ليخطب بثلاثة ملايين ثائر في ميدان التحرير من المسلمين والمسيحيين بلا تفرقة. عاد بطلا يحمل على الأكتاف ويقدم ليصلي بالجمع. في المقابل كان أحمد عز والمغربي وجرانه ضيوفا على سجن طره. مشهد تراجيدي لا يصدق!
كذبت إحباطاتنا وصدقت شاعرية الفاجومي، شاعر تكدير الأمن العام، أحمد فؤاد نجم حين خاطب ابنته نوارة وهي طفلة على حجره فقال:أبوك آيوا ما كانش حاجه.. لكنه حاول يعيش لحاجه.. وجيل أبوك كان يعني حاجه.. وجيلك إنت حيبقى حاجه.. ومصر تبقى النهارده حاجه.. وبكرة حتما حتبقى حاجه!!

أنوار - الوطن
21 فبراير

الأحد، ١٣ فبراير، ٢٠١١

فساد اقتصادي.. أم طغيان سياسي


يرجع البعض إلى أن ما حدث في تونس وما يحدث اليوم في مصر إلى الوضع الإقتصاد لهذه الدول، وأن نقص خدمات الدولة وأداء العملة ونسب الدخل والفقر والبطالة هي التي تدفع الناس للقيام بهذه الثورات على حكوماتها. ففي مصر كان آخر تقرير للتنمية البشرية يضع الحكومة المصرية على منحنى اقتصادي خطير. فقد كانت نتائج الوضع التعليمي سيئة للغاية، حيث كانت ما نسبته 27% من الشباب لم يستكملوا تعليمهم الأساسي. المشكلة الأكبر أن 10% من هذه النسبة لم يلتحقوا بالتعليم أبدا! هذا بالاضافة إلى تردي التعليم، وانخفاض جودته مما أدى إلى مخرجات معطلة. وصنف التقرير 20% من المجتمع المصري تحت خط الفقر، إلى جانب الكثير من الأرقام التي تعبر عن أداء سلبي في مفاصل الاقتصاد.
بعد كل تلك الأرقام الصادمة خرج أحمد نظيف رئيس الوزراء الأسبق ليقول للشعب المصري: صحيح أن نسبة الفقر لم تقل، ولكن ليس بسبب الحكومة ولكن بسبب زيادة عدد السكان. وأن وضعنا في مصر أفضل من غيرنا!!
هذا الكلام لم يقنع الشعب المصري بكل تأكيد، وبسبب كل تلك المؤشرات الإقتصادية يرجع العديد من الكتاب والمفكرين ما حدث في مصر لأسباب اقتصادية بحتة. ولكنني لا أتفق مع ذلك أبدا، فما الذي يجعل نجيب سويرس أغنى أغنياء مصر يطالب النظام بالرحيل؟ ونجيب سويرس ليس مجرد تاجر برجماتي، بل هو من القيادات الفاعلة في العمل الاجتماعي والتطوعي في المجتمع المصري، ولم ينزل عليه العز فجأة بل ورث قدرا من ثروة عائلته عمل على تنميتها في ظل النظام المصري. إذن لماذا يطلب من النظام الرحيل؟
لماذا نرى وجوها مقتدرة اقتصادية ولها مكانة اجتماعية عالية وغير حاقدة على السلطة تطالب النظام بالرحيل. الدكتور أحمد زويل، الحائز على جائزة نوبل، ما الذي يدخله في متاهة مطالبة النظام بالرحيل؟ مع أنه مشغول جدا ببحوثه وتجاربه، وهو الذي كرم من قبل مبارك شخصيا.
لماذا ينشر فاروق جويدة قصيدة بعنوان أرحل يقول فيها: ارحل وحزبك في يديك.. ارحل بحزب امتطى الشعب العظيم.. وعتى وأثرى من دماء الكادحين بناظريك. ولهذا الشاعر مكانته الثقافية، ودواوينه توزع بشكل ممتاز في معارض الدولة، وتنشر له معظم الجرائد المصرية.
لماذا يقف مدير الوكالة الذرية الأسبق محمد البرادعي إلى جانب شباب في العشرينات ليفترشوا ميدان التحرير ويهتفون بسقوط النظام معا؟ مع أن محمد البرادعي يعيش حياة مرفهة في جنيف وله حظوة عالمية.
لماذا ينظم إليه عمرو موسى رئيس جامعة الدول العربية؟ لماذا كل قيادات الأحزاب والمحامين والصحفيين وعلماء الدين والفنانين في ميدان التحرير؟
إن ما حصل في تونس وما يحصل في مصر ثورة شعبية خالصة، أكبر من أن يدفعها تيار ولا حزب سياسي وليست لأسباب اقتصادية فقط. إن السبب الحقيقي هو الطغيان السياسي، الذي عقد زواجا باطلا بين السلطة والمال، فماذا كانت النتيجة؟ لقطاء اسمهم الفساد والمصالح والمحسوبية والشللية.
فكيف يمكن أن يكون أحمد عز رأس الحربة في الحزب الوطني الحاكم المتحكم وفي الوقت ذاته صاحب أكبر شركات الحديد والصلب في بلد يعيش الكثير من أبناءه تحت خط الفقر؟ إن هذه الازدواجية الرهيبة جعلت الجميع لا يقبل بالميزان المختل حتى وإن لم يكونوا متضررين منه على المستوى الشخصي.
ماذا يعني أن يتحكم الحزب الوطني الحاكم في كل مفاصل الدولة وتفاصيلها حتى صناديق الانتخابات؟! لا لشيء إلا لأنه حزب الرئيس. ماذا يعني أن يعمل الأمين على الدستور خياطا أو "ترزي" يقص ويفصل كما يريد الرئيس؟ ماذا يعني أن يكون لجمال مبارك صلاحيات وهيبة وجلال لا يحضها بها حتى رئيس الوزراء لا لشيء فقط لأنه نجل الرئيس، ووريث عرش مصر!
من المستحيل أن هذه الثورة التي حصلت كان سببها الفيس بوك وتويتر خلال أسبوع. إن ما حصل هو نتيجة سنوات طويلة من الاستبداد السياسي والكبت الإعلامي والظلم الاجتماعي لبلد عظيم مثل مصر. وفي مقابل كل ذلك التضييق كانت هناك أصوات وأقلام حرة حفرت ثقبا في جدار النظام حتى يمر الضوء للأجيال الجديدة، ابتداءا من أشعار أحمد فؤاد نجم التي يغنيها الشيخ أمام، مرورا بكل الذين قالوا كلمة الحق وانتهاءً بعمرو أديب في القاهرة اليوم. إن كل تلك المسامير الصغيرة قوضت اسطورة الأمن ودولة البوليس وإرهاب ما وراء الشمس.
تشرفت قبل سنوات بمحاورة العالم المصري فاروق الباز والذي يعمل في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا. سألته ما هي المشكلة؟ وما هو الحل؟ اتذكر تماما ملامحه الحزينة وكلماته باللهجة المصرية: "عندنا شباب زي الورد"، ولكن النظام القائم هو المشكلة، لا يستمع لهم ولا يعطيهم فرصة. لذلك انضم الدكتور فاروق لقائمة المطالبين النظام بالرحيل لأن لديه حلم، حلمه أن تتطور مصر وتصبح دولة عصرية لا يضطر أبنائها المبدعين للهجرة إلى بلاد الكاوبوي أو مدن الضباب.
والنظام الحاكم كأنه أدرك الحقيقة متأخر، فشكل وزارة جديدة تضم عددا من التكنوقراطيين، ولا تضم تجارا وأصحاب مصالح، ووعد بحريات أكبر في التقاضي والنقد. وفي الوقت نفسه أغلق موقع تويتر والفيس بوك والإنترنت وحتى شبكة الهاتف النقال، لماذا؟ ليسجن مصر؟ ليته استمع لأحمد فؤاد نجم منذ زمن:
مهما يطول السجن مهما القهر
مهما يزيد الفجر بالسجانة
مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر؟!!
جريدة الرؤية
13 فبراير 2011

الاثنين، ١٠ يناير، ٢٠١١

زينة

ديباجة:

"يسألني الكثيرون: كيف نستثمر في سوق المال دون أن نخسر؟ وأجيبهم دائما: لو كنت أعرف لكان الوضع مختلف"
د. فهيم المرهوبي

مغرم هذا الإنسان بالمال والذهب المتلألأ في العيون، فانطلق في مغامرات قديمة تبحث في مياه المحيطات ورمال الصحاري عن الكنوز الخرافية والمدن الذهبية المفقودة. آخرون عكفوا على معادلات كيميائية معقدة يحولون فيها المعادن الرخيصة إلى ذهب! واقتتلت شعوب الأرض وخربت مدن وأحرقت ممالك من أجل المال! لماذا كل هذا التعب؟! إنه عامل الندرة، وجوف ابن آدم الذي لا يملئه إلا التراب.

حين كنا على مقاعد الدراسة أتانا أحدهم يدعونا للإنضمام إلى "بيزناس". تدفع مبلغا من المال لأحدهم، وتأتي باثنين يدفعون نفس القدر ويحسبون عليك، لتحصل بعدها على ربح شهري دون تعب أو عناء. لم أفكر طويلا لأرفض هذه الفكرة. ولكن صديقي العزيز دخل المغامرة، وهو حتى الآن لم يحصل على شيء.
وذات مساء التقيت بأحد الأصدقاء وقال لي أنه يعيش في بحبوحة من العيش لأنه وقع على كنز. أستعجلته في التفسير فأجاب أنه استثمر قرضه الدراسي في محفظة مالية يديرها رجل طيب وخلوق، تدفع له مبلغا ثم يسثمره لك ويقدم لك عائدا ماليا يصل إلى 25% شهريا على أقل تقدير. حذرته فلم يسمع كلامي ومضى في أحلامه العريضة، لتطالعنا الصحافة بعد حين أن تلك المحافظ ما هي إلا وهم في مسلسل أحلام الذهب. وناح صاحبنا وبكى على صفحات الإنترنت ولكن لم يحصل على شيء حتى الآن.

لعل الكثير من هؤلاء قد تأثروا بكتاب روبرت كيوساكي "أب غني وأب فقير" Rich Dad Poor Dad. وهو كتاب رأسمالي برجماتي بامتياز. فالرسالة التي وصلتني بعد قراءته بأن لا داعي للدارسة إن كنت تستطيع الحصول على المال. لا أنصح أي أب بترك ابنه يقرأ هذا الكتاب قبل أن ينهي تعليمه الجامعي لما فيه من تقديس لقيمة المادة وجعلها محور الحياة الأساسي.

إن حديث القناعة أيضا حديث ممل ومستهلك، ووتر يعزف عليه العاجزون والكسالى، ولكن بكل تأكيد اخترعته القروش الكبيرة من أرباب المال. يقول بن مساعد: الفقر مطلب ضروري لأجل تتسوق شعارات القناعة والصبر.. لأجل يطلب صاحبه انصاف ما بعد القبر.. الفقر كافر و كفاره كثر.

إن الإعتدال بين شطح المغامرات، وفوبيا الخسارة هي الطريق الصحيح للاستثمارات والتوفير. وعلى الإنسان أن يرتب أولياته في الحياة، ويجعل المال مساعدا لتحقيق تلك الأولويات.

حشر المنذري

ملحق أنوار - الوطن
9 يناير 2011

الثلاثاء، ٢٦ أكتوبر، ٢٠١٠

قبل خراب مالطا


يكثر الحديث عن حقوق المواطن وينسى البعض حقوق الوطن، فالدفاع عنه والموت في سبيله حق مفروغ منه ولكن هناك حقوق أخرى. فمن حق الوطن على جميع المواطنين المحافظة على ماله العام والغيرة على ممتلكاته ورعاية منجزاته. ولكن هذا الحق حق مضاعف على النخب المتعلمة والمثقفة والمتخصصة. هذا تماما ما قام به الدكتور حاتم الشنفري الأسبوع الماضي في خلال المحاضرة التي ألقاها عن الخطط التنموية والمستوى المعيشي للمواطن في السلطنة والتي نظمتها الجمعية الاقتصادية العمانية. أراد الدكتور حاتم من هذه المحاضرة أن يلقي حجرا في بحيرة ليحرك المياه الراكدة، ولكنها أحدثت طوفانا من الدهشة والتفاعل. قد تكون المحاضرة مهمة لعدة أسباب، فالدكتور حاتم أكاديمي متخصص واقتصادي فاعل وحاصل على العديد من الجوائز ليس على مستوى السلطنة فحسب بل على مستويات عالمية، وقال تعالى: "وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ" صدق الله العظيم. كما أن القضية مهمة جدا تتعلق بدخل المواطن ولقمة عيشه. وأن الأرقام التي أوردها الدكتور كانت احصائيات مصدقه وخارجه من وزارة الاقتصاد الوطني، بالإضافة إلى تقارير ومقارنات عالمية معتمدة. كل ذلك مهم نعم، ولكن الأهم منه أن الدكتور حاتم تحدث بلغة مختلفة عن التي تظهر في وسائل الإعلام، لغة تغوص في التفاصيل وتقرأ الأرقام قراءة علمية حقيقية قد لا تفضل الجهات الحكومية المسؤولة عن تلك القضايا أن تطرحها علنا. فزيادة نسب الباحثين عن العمل، وانخفاض المستوى المعيشي للمواطن العماني مقارنة بناتج الدخل القومي، وانخفاض أعداد الملتحقين بمؤسسات التعليم العالي كلها لم تكن في صالح صانعي القرار في المؤسسات المسؤولة عن هذه القضايا. وتطرح تسائلات كبيرة حول تقارير العلاقات العامة التي تلمع تلك الجهات، وتعلن الأرقام التي تعجبها والنماذج التي تؤكد تميزها.

فعلى سبيل المثال لا الحصر نسمع الكثير من الجعجعة في أن لدينا مؤسسات متعددة وراقية للتعليم العالي، ولكن الحقيقة الفاجعة أن نسبة المقبولين من الطلاب في جميع مؤسسات التعليم العالي نسبة منخضة جدا، تضع السلطنة في مرتبة متأخرة على مستوى العالم بجانب دولة مجهولة هي عبارة عن جزيرة مغمورة في أحد المحيطات كانت مستعمرة برتغالية سابقا!!

إن هذا الحديث هم صميم الوطنية، يجب أن نضع أصابعنا على الجرح أولا لكي نداويه، نعم هو أمر مألم، ولكنه ضروري. تحية شكر للدكتور حاتم ولكن أين بقية الأكاديمين؟!! لماذا ينعزلون في أروقة الكليات والجامعات؟! لماذا لا يخرجون من فصولهم الدراسية ليحدثوا الناس عن قضايا الناس؟! قد يشتكي البعض أن المساحة أضيق من فضائهم، ولكن هذا ليس عذرا، فهذه المحاضرة تقول لنا عكس ذلك. يجب أن يتحدث أهل الإختصاص كل في مجاله الآن، فلن ينفعنا حديثهم بعد خراب مالطا.

ملحق أنوار
جريدة الوطن

الجمعة، ٢٠ أغسطس، ٢٠١٠


الاثنين، ٣١ مايو، ٢٠١٠

النقد الذاتي للنهضة العمانية

ديباجة
نحن صغار في مدرسة الكلمه..
غايتنا أن نتعلم حرف هجاء..
فأْمُرْ أن تُقْطَعَ ألسنة الضوضاء،
حتى نستمع إلى الحكمه!!
أمل دنقل
...........
تخرج أحد الزملاء في تخصص معين من الجامعة ولكن للأسف كانت الوظائف في تلك الفترة شبه معدومة لذلك التخصص. وأتذكر أننا جلسنا على مقهى متواضع، فكان يتبرم من الوضع، ويطلق تصريحات نارية على جميع من لهم علاقة بالتوظيف. بل تجاوز الحد حين استخدم كلمات "نابية" فانفض المجلس. ودارت الأرض دورتها، وفقه الله، وابتسم له الحظ، أو قد يكون ضحك له. فوصل إلى مكانة مرموقة في أحد مؤسسات التوظيف في سنوات معدودات. اجتمعنا مرة أخرى فأخذ ينظّر ويدافع ويستبعد أي خطأ. ذكرته بكلماته على المقهى المتواضع، ولكنه لم يتذكر! أو لم يشأ أن يتذكر لكي لا ينتقد ذاته الجديدة.
إن النقد الذاتي هي النافذة التي تتنفس منها الحضارة، وتنقي هوائها من الشوائب والأتربة. وبدون النقد تنعدم الشفافية، وتتراكم الأخطاء، ويختلط الحق بالباطل. إن النقد يتعدى المستوى الفردي، إلى النقد الذاتي للمجموعة والدولة والأمة.
لا يستفزني شيء أكثر من بعض إعلام "عرب المركز"، هؤلاء الذين يتقاطرون علينا هذه الأيام بسخاء، يغروننا "بالتلميع" في قنواتهم وإذاعاتهم وصحفهم - طبعا الدفع بالدولار- على الرغم من أننا لانزال في نظرهم "عرب أطراف". في هذه المرحلة لا نحتاج إلى المدّاحين والمجاملين والمنافقين والآفاقين، بل نحتاج إلى نقد ذاتي يشرّح عوامل النجاح والفشل على جميع الأصعدة والمستويات، هذا طبعا إن كنا نؤمن أننا بشرا عاديين، نخطيء ونصيب.
نحتفل هذه الأيام بمرور 40 عاما على النهضة العمانية الحديثة احتفاءً بالانجازات التي تحققت، ولكن لماذا لا نتسائل عن الإنجازات التي لم تتحقق!! هل راجعنا مسيرتنا خلال 40 عاما لنعرف القطاعات والمؤسسات التي كان أدائها دون المستوى مقارنة بالقطعات الأخرى؟ وذلك لنصحح مسارها ونطورها لتلحق بباقي القطاعات. إن اتكاءنا على شماعة "ليس بالامكان أبدع مما كان" هو الصخرة التي تسد الطريق أمام التقدم والبناء. هذا ليس جلد للذات بل تشريح للاخفاقات.
لماذا يرفض مسؤولٌ أن يسأل؟ مع أن المسمى يوحي بأنه عرضة للسؤال في كل حين، أم أن نرجسية السلطة ترتفع به في برج عاجي؟! لماذا يحاول أن يبرر كل ما يحصل بطريقة ايجابية، بدل أن يعترف بالأخطاء ليصححها.
في غمرة هذه الحماسة همس أحدهم في أذني: ولماذا لا تنتقد شخصك ومؤسستك!! وقفت لبرهة، ثم قلت: لا أستثني أحدا.

بالأخضر سوقناه

ابتكر فندق كراون بلازا في كوبنهاجن طريقة غريبة لتوليد الطاقة من خلال جعل نزلائه يولدون الطاقة الكهربائية عن طريق قيادة دراجة هوائية موصلة بمولد يخزن الطاقة. وكل نزيل في الفندق يتمرن على الدراجة لمدة 15 دقيقة يحصل على قسيمة لوجبة مجانية تقدر ب 36 دولار.
الطاقة التي تنتج من 15 دقيقة تكفي لإضاءة مجموعة بسيطة من المصابيح في فندق من فئة الخمس نجوم. إذن ألا تعد هذه خسارة مضاعفة على الفندق نظير الوجبات المجانية التي يقدمها لنزلائه. من المستحيل توفير طاقة كهربائية كافية لمؤسسة كبيرة بهذه الطريقة، ولكنها مجموعة رسائل يرسلها الفندق بضرورة المحافظة على الطاقة، وتبنيه لمثل هذه المبادرات الخضراء.
في المقابل على ماذا حصل الفندق؟ هذا الخبر كان في معظم الصحف ووسائل الإعلام الدينماركية، والأكثر من ذلك أنه احتل مكانا بارزا على صفحة البي بي سي ووكالات عالمية أخرى. وها نحن نتحدث عنه في هذه الزاوية على الرغم من البعد الجغرافي وضعف احتمالية زيارتنا له.
إن هذا مثال على ما يعرف ب "التسويق الأخضر". فكل عمل تجاري مهما كبر أو صغر لا بد أن يكون ضمن منظومة الأخلاق العامة للمجتمع الذي يعمل فيه. وهو ما يترتب عليه مسؤولية اجتماعية تجاه ذلك المجتمع الذي يربح العمل التجاري منه. وقد تكون البيئة أحد أهم القطاعات المتأثرة من النشاط التجاري والصناعي والخدمي، لذلك يترتب على هذه المؤسسات الربحية العناية بالبيئة لتقليل الآثر الناتجة عن ذلك النشاط.
ويأتي التسويق الأخضر كاستجابة للمسؤولية الاجتماعية التي يجب أن توليها المؤسسة الربحية للمجتمع، ويهدف التسويق الأخضر إلى تقليل الآثار السلبية للنشاط التجاري على البيئة، وذلك باستخدام طرق تجارية صديقة للبيئة. وهوه ما من شأنه أن يؤثر ايجابا على العلامة التجارية، ويجعلها علامة تجارية مفضلة للجمهور لأنها تحافظ على اليبئة وتساهم في حياة أفضل لعملاء تلك السلعة.
وحقيقة الأمر أن البيئة هي مسؤولية الجميع، وقد تتخطى بعض المؤسسات مسؤوليتها في المحافظة على البيئة إلى تثقيف زبائنها وعملائها بضرورة المحافظة على البيئة وصيانتها. وهذه خطوة متقدمة في ثقافة التسويق الأخضر. وقد رأينا عدة مبادرات في السوق العمانية تدل على ذلك، فقد قامت عدد من المتاجر الكبيرة بتقديم أكياس قماشية يمكن إعادة استخدامها للحد من استخدام أكياس البلاستيك التي تدمر البيئة، وقد قامت ببيعها بأسعار التكلفة أو أقل. بالطبع على المدى البعيد إن استغنى العملاء عن أكياس البلاستيك التي توزعها المتاجر مجانا فسيكون ذلك مصدرا لتوفير بالنسبة لتلك المتاجر، ولكن لا مشكلة في ذلك ما دامت النتيجة ستنعكس ايجابا على البيئة.
ومعنا في السلطنة يلوم البعض شركات القطاع الخاص في عدم انتهاجها للتسويق الأخضر، وعدم مساهمتها في المشاريع التي تساهم في المحافظة على البيئة. ولكن هل يساهم العملاء والمستهلكون الأفراد في المحافظة على البيئة؟ هل يفهمون ضرورة ذلك العمل الذي يبدأ فرديا ثم يتحول إلى سلوك اجتماعي عام.
هل يوجد لدينا "مستهلك أخضر" يحرص على استهلاك منتجات صديقة للبيئة ويقدر العلامات التجارية التي تفعل ذلك؟ ليس هناك احصائية على حد علمي، والتعميمات قبل كل شيء مرفوضة، ولكن لا توضع المعايير البيئية عند اتخاذ قرار الشراء عند معظم المستهلكين في السلطنة ولا أبريء نفسي!
قبل شهر من الآن وبالتحديد في 27 من مارس 2010 احتفلت السلطنة للمرة الأولى بساعة الأرض، حيث تطفيء الأضواء في عدد من المؤسسات والمعالم الحضارية المعروفة لمدة ساعة واحدة، اعترافا بضرورة المحافظة على الطاقة، والبحث عن حلول فعالة للحد من الاستخدام المفرط للكهرباء. للاسف لم تكن الكثير من المؤسسات الحكومية على مستوى الحدث، ولكن كان تجاوب القطاع الخاص أكبر في هذا المجال، حيث عمدت عدد من الشركات والفنادق لإطفاء الأضواء لمدة ساعة دعما للهذه المبادرة. وهي في ذلك أيضا ترسخ مفهوم التسويق الأخضر الذي يبحث عن هذه المبادرات ليرسخ مفهوم العلامة التجارية المحبوبة من قبل الناس.
المفاجأة حصلت من قبل المستهلكين العاديين، فقد كنا على الهواء في برنامج نقطة نظام مع المذيع خالد الراشدي في إذاعة الوصال نناقش هذه المبادرة العالمية التي تحمل الكثير من الرسائل، لنتفاجيء بالعديد من المتصلين في نصف البرنامج يشتكون عن انقطاع التيار الكهربائي في الصيف. ونقاش ساعة الأرض الذي كان يدور في الإذاعة بعيد كل البعد عن ذلك، ولم يكن ضمن الحضور أحد المختصين في قضية انقطاع التيار الكهربائي. وهذا يدل على أن المستهلك العادي يحتاج إلى الكثير من التوعية في أن يكون "مستهلكا أخضرا".
وفي الاسبوع الماضي استقبل الإعلام العماني "نور"، وهي شخصية كرتونية تختزل فيها الحملة الوطنية للحفاظ على الطاقة العديد من الرسائل والمفاهيم، وهي تمثل حيوان المها العربي الذي تشتهر به السلطنة والذي عرف بقدرته على تخزين الطاقة في جسمه عند زيادة درجات الحرارة الخارجية. اطلقت الحملة شركة الكهرباء القابضة، وتدير الحملة الإعلانية شركة "نيفي بلو" العالمية.
هذه الحملات التعليمية هي مثال على ما يحتاجه المتسهلكون ليعرفوا واجباتهم تجاه المجتمع، وهي ما تفيد شركات القطاع الخاص لأنها ترفع مكانة العلامة التجارية وولاء العملاء، مما يعني حصص أكبر في السوق وأرباحا أكبر.
إن من الأشياء الظريفة التي قرأتها في هذا المجال هي حلول عمانية قديمة لإعادة تدوير العلب والمواد المستهلكة، وحين تفكرت فيها وجدت أن أجدادنا أو بالأخص جداتنا كانوا يتصرفون بحكمة أكثر منا. فعلب "الكستر" كانت تستخدم لحفظ البهارات، وقناني "الفيمتو" للسمن والعسل، والملابس القديمة كأقمشة للتنظيف، والقائمة طويلة. لقد كانوا مستهلكين أكثر اخضرار منا، والخضرة هي الحياة.

المسؤولية الاجتماعية بين الإحسان والواجب!!

عندما تقوم مؤسسة بإنشاء مصنع أو مصفاة أو ميناء فإنها بكل تأكيد تؤثر إيجابا على سكان المناطق المحيطة بذلك المشروع، فهي توفر وظائف لأبناء تلك المنطقة، وتساهم في ازدهارها تجاريا واقتصاديا. ولكن للأسف هناك وجه آخر للعملة، فمع كل الإيجابيات هناك سلبيات حتمية تؤثر على البيئة وديمغرافية السكان. وفي أحد الاجتماعات التي تناقش المسؤولية الاجتماعية، تحدث أحد مديري العلاقات العامة في مصنع على أرض السلطنة وافتخر أن مصنعهم لا يؤثر على البيئة بتاتا. اعترض عليه أحد المختصين وأكد أن وجود أي مصنع مهما صغر أو كبر سيؤثر على البيئة بطريقة أو بأخرى، فحتى الضوضاء التي تصدرها آلات ذلك المصنع تعبر تلوثا صوتيا.
إذن فحتى الصوت قد يكون مصدرا للتلوث، الأكثر من ذلك أن الضوء قد يكون مصدرا للتلوث. فيتم ايقاف العديد من المشاريع الصناعية والسياحية على الشواطئ لأنها ببساطة قد تدمر أجزاء مهمة من بيئة تلك المناطق. فالسلاحف على سبيل المثال حين تفقس من البيض تخرج في الليل وتتجه إلى البحر مستدلة عليه بانعكاس النجوم على صفحة الماء، ولكن حين ترى أضواء تلك المشاريع يخيل إليها أنها انعكاس النجوم على البحر، فتتجه إليها وتموت. تخيلوا التأثير من أين يأتي؟
وحين تدخل مثل هذه المشاريع إلى مناطق سكانية فإنها بكل تأكيد تغير من ديمغرافية تلك المناطق، وتتغير أنماط معيشة السكان، ليس دائما للأفضل! لذلك فكل نشاط صناعي أو عمراني أو تجاري يترتب عليه تأثير على البيئة ودمغرافية السكان، ومن هنا تظهر فكرة المسؤولية الاجتماعية التي يجب أن تحس بها المؤسسات القائمة على هذا النمط من المشاريع. وتنطلق هذه النظرة من اخلاقيات العمل التجاري، فالمال لوحده لا ينشيء اقتصادا متكاملا، فهو يحتاج إلى منظومة الأخلاق ليكون الإنسان محور تلك التنمية.
وتراود الريبة الكثير من الناس عندما تتحدث الشركات عن أعمالها التطوعية ومسؤوليتها الاجتماعية، وربما يكون السبب في ذلك هو الاساس الربحي الذي تقوم عليه الشركات. ولكن طبعية العلاقة المفترضة بين الشركات والمجتمع يجب أن تكون علاقة تكاملية في النظام الاقتصادي السائد في العالم، حيث تمثل الأعمال والشركات أحد أكبر المحركين للمجتمع. فتجد عددا من المدن تقوم على مصانع أو شركات عملاقة، حيث يعمل معظم أفراد تلك المدينة في ذلك المصنع أو الشركة، والشركة تضمن لعائلات العاملين السكن والتعليم والصحة.
وتزدحم المفاهيم والتعريفات للمسؤولية الاجتماعية، ولكن الأهم هو فهم كل مؤسسة للدور الذي يجب أن تقوم به تجاه المجتمع الإنساني المحيط بها، وتنطلق تلك المسؤولية من احساس القيادات الإدارية في المؤسسة والموظفين بضرورة لعب دور فعال في المجتمع.
وتمارس معظم الشركات نوع من المسؤولية الاجتماعية، البعض عن فهم ووعي، والبعض الآخر صرف لمزانية مخصصة. وقد يكون هذا عائد لطبيعة الجمهور المستهدف.
أهل التسويق لهم فهم خاص للمسؤولية الاجتماعية، تجمع بين اخلاقيات العمل التجاري، وبين ربحية الشركة، حيث تكون العلامة التجارية هي الجسر بين الإثنين. فحين تعرف شركة نفسها كشركة تتحمل مسؤوليتها الاجتماعية تجاه المجتمع المحيط، فيجب أن تقوم بخطوات كثيرة في سبيل ذلك على ارض الواقع، هذا مما ينعكس ايجابا على علامتها التجارية ويجعلها علامة قريبة من الناس ومحبوبه من قبلهم.
لذلك تربط الشركات اسمها بالمشاريع الخيرية والمبادرات الاجتماعية، ولا أرى في ذلك نفاقا ولا رياءً. حين تفعل المؤسسات التجارية أعمال خيرية فيجب أن تظهر وتبرز لكي يتسابق منافسوها للرد عليها بمبادرات اجتماعية أخرى تفيد المجتمع. ولكن يجب أن تكون التغطية الإعلامية على قدر التغيير الذي تحدثه تلك المبادرة، وإلا فستكون النتيجة سلبية على المؤسسة نفسها.
إن الصورة النمطية للمسؤولية الاجتماعية والمتمثلة في صورة للرئيس التنفيذي لمؤسسة يسلم شيكا ماليا لجمعية المرأة أو جمعية ذوي الاحتياجات الخاصة لم تعد الطريقة المثلى للتواصل مع المجتمع. إن ابتكار مبادرات أكثر تأثيرا، وأطول استمرارية هي التي ترسخ ذلك المفهوم وتضيف للمجتمع قيمة حقيقة وتعطي العلامة التجارية بريقا خاصا ومتميزا.

الأربعاء، ٢١ أبريل، ٢٠١٠

حقوقهن وحقوقنا



ديباجة

"البحر عنكبوت..

وأنت في شراكه

فراشة تموت"

أمل دنقل

****

تتبارى المؤسسات هذه الأيام في ابراز قياداتها النسائية على صفحات الجرائد ووسائل الإعلام حتى أصبحنا نخلط بين أخبار الشركات وإعلانات دور الأزياء!! إن كانت هذه الكوادر النسائية تمارس عملها بشكل طبيعي فلماذا كل هذا الإزدحام! وإن كانت زميلتنا الموظفة مؤهلة حقا لتكون في تلك المناصب فنرفع لها القبعة، ولكن الخوف كل الخوف أن تكون تاء التأنيث قد أصبحت علبة "ميك اب" تجمل فيها المؤسسات وجهها لدى الجمهور والمؤسسات الرسمية.

من يتعصب ضد المرأة؟! كيف يسيء إنسان إلى أمه وأخته وزوجته وابنته؟! لا يفعلها عاقل! ولكن قد تحصل تجاوزات لا تعبر بالضرورة عن المجتمع العماني الذي تحتل فيه المرأة مكانها الطبيعي منذ قديم الأزل. إن مشروعات تمكين المرأة تجعلنا نقول أن المبادرات جيدة لحل أي مشكلة إن كانت موجودة أصلا!

هل تعاني المرأة في السلطنة من مشاكل وعقبات تجعلها في حاجه لكل هذا الضخ والتضخيم عن حقوق المرأة، والتباهي المبالغ فيه عن أي تجمع نسائي، حتى وإن كان جلسة لشرب فنجان قهوة؟!

من أين أتت فكرة أن المرأة تحتاج إلى مزيد من الدعم والتمكين؟ هل هناك دراسات أجريت على الواقع العماني وخرجت بنتيجة أن المرأة مهضومة الحقوق وهذه هي أخطر تحديات المجتمع في هذه المرحلة؟ أليست قضية الباحثين والباحثات عن عمل هي قضية تفت عضد المجتمع العماني بشكل أكبر، وتأثيرها يمتد ليؤثر على حياة الجميع نساءً ورجالا، ما هي الأولويات في ذلك؟

كل هذه النصرة لحقوق المرأة، فهل يشرب الرجال الشهد؟! متى نرى مبادرات لتمكين المواطن بغض النظر عن جنسه، تمكين المواطن من خلال رفع وعيه واشراكه شراكة حقيقية في اتخاذ القرارت التي تخصه، وحصوله على حقوقه أمام الواجبات التي يتوجب عليه القيام بها.

يعلم الله بالنيات، ولكن لا تراودني سوى الريبة أمام العديد من المبادرات الخارجية لتمكين المرأة تحت غطاء التعليم والتدريب والتطوير. ما كل هذا الكرم الأجنبي في هذه القضايا، لماذا لا نجد ذلك الدعم في التدريب على الصناعة و الانتاج؟! ماذا يسربون لنا مع كل "مباردة" للشرق الأوسط!

أتمنى من هذه المؤسسات صاحبة "المبادرات" أن تتحدث مع سفرائها الذين يحضرون كل فعالياتها وتقول لهم أن دولهم تكيل بمكاييل كثيرة في قضايانا العربية والعمانية.

عزيزي القاريء: إن أتتك بطاقة دعوة لواحدة من حفلات هذه المبادرات، فاسأل نفسك: لماذا أنا؟

ملاحظة
مصدر الصور: وكالة الأنباء العمانية

الأحد، ١٨ أبريل، ٢٠١٠

إعلانات سياسية وسياسات إعلانية


أجمل ما في الإعلان أنه مزج بين العلم والفن، فحين يبدأ ترى أصحاب الصنعة غارقون في دراسات وأرقام ومنحنيات، وفي المراحل الأخيرة تراهم يرتدون ملابس الخيال والذوق الرفيع. عقل العالم واحساس الفنان! لتقف في بعض الأحيان أمام ابداع إنساني ، يصل حد الإبهار. نعم إنه الإعلان!

الإعلان أداة اتصال مدفوعة الثمن، تحمل رسالة المعلن والتي قد تكون منتجا أو خدمةً أو فكرةً أو سلوكا. ويتداخل الإعلان مع كثير من المجالات، أحدها السياسة. ولكن من يستخدم من؟ هل يستخدم السياسيون الإعلان للوصل إلى مرشحيهم ليحفزوهم على الاقتراع، وبذلك يصلون إلى كراسي السلطة؟ أم أن الإعلان يستخدم السياسيين مروجين ومسوقين و "مودليز" ليبيع أكثر؟

هذه النظرة عدائية جدا للطرفين، قد تنطبق في بعض الأمثلة وقد لا تنطبق في أمثلة أخرى. في الحقيقة أن الجميع يحتاج إلى الإعلان ويمارسه بطريقة أو بأخرى، والسياسيون ليسوا بعيدين عن ذلك. وكذلك الإعلان يستعين بالشخصيات المشهورة والتي يجذب الجماهير لمشاهدة الإعلان وتصديقه في بعض الأحيان بوجود تلك الشخصيات.

يقال أن روما القديمة شهدت حركة إعلانية سياسية نشطة من خلال الخطابات السياسية التي كانت تعتبر أول أنواع الإعلان السياسي. وتطور الأمر بعد ذلك إلى ما نراه الآن سواءً في مجال الأفكار المستلهمة، أو التقنيات المستخدمة.

ولعل من أشهر الاعلانات التي كانت تجمع بين الرسائل السياسية والإعلانية هو إعلان جوربتشوف لبيتزا هت. فلقد وجهت الكثير من الدعوات لرئيس الاتحاد السوفيتي الأسبق ميخائيل جوربتشوف ليظهر في الإعلانات التجارية، ولكن كلها كانت تقابل بالرفض. حتى احتاجت المكتبة الخيرية التي يرعاها جوبتشوف إلى تمويل مالي لم يكن يملكه، فبدأت بعض هذه العروض تلاقي ترحيبا. حتى أتت الموافقة على إعلان لبيتزا هت حيث ظهر فيه جوربتشو مع حفيده يدخلون إلى محل بيتزا هت في روسيا، ويقوم جوربتشوف بطلب البيتزا، فيعرفه أحد الموجودين في المحل، فيصيح: "بسببه حصل معنا تشويش في الاقتصاد". فيرد عليه رجل آخر: "كلا، بسببه تمكنا من الحصول على فرصة". فتنهض امرأة عجوز وتقول: "بسببه أصبحت معنا أشياء مثل بيتزا هت". فينهض الجميع لتحية زعيمهم السابق بحرارة. انتهى الإعلان الذي يتعدى الدعاية ليصل إلى الرسالة السياسية الواضحة للانفتاح الروسي على الرأسمالية.

كما يمكن أن تستخدم تلك الرسائل السياسية استخداما ايجابيا في الإعلان فقد تكون مصدر فشل للإعلان التجاري وللشركة بشكل عام. فحين تقوم أي شركة بإخراج إعلان تجاري يجب أن تراعي كل ما يمكن أن يثير حفيظة أي جهة من الجهات الموجه الإعلان لها، فما بالك بالجوانب السياسية التي تعتبر من أكثر الأمور تعقيدا.

حدث في عام 2008 أن ظهرت الإعلامية الأمريكية ريتشيل راي والتي اشتهرت ببرنامج الطبخ الذي تقدمه في التيلفزيون ويحمل أسمها، ظهرت وهي ترتدي وشاحا يشبه الكوفية الفلسطينية في إحدى دعايات شركة "دانكن دونتس"، مما أدى لشن هجوم عليها وعلى شركة المقاهي العالمية يتهمهم بالتعاطف مع الارهاب. فما كان من دانكن دونتس إلا أن حذفت الإعلان. الأمر الذي جعل الكثير من المنظمات الدينية والعربية في أمريكا لشن مقاطعة ضد منتجات الشركة لرضوخها للضغوطات التي يمارسها "متشددون ضد العرب والمسلمين" كما وصفتهم اللجنة الأمريكية العربية لمناهضة التمييز والتي قادت تلك الحملة.

بسبب ظهور الكوفية في هذا الإعلان حدث هذا الجدل الكبير، إذن فالإعلان ليس مجرد عمل تجاري بسيط، إنه محتوى فكري قد يمثل أداة ضغط ورضوخ للكثير من الأطراف.

وفي اسرائيل نفسها هناك الكثير من الإعلانات التي يستدل الفلسطينيون بها على عنصرية المجتمع الصهيوني. ففي إعلان لواحدة من أشهر شركات السيارات قدمت سيارتها الجديدة الاقتصادية في استهلاكها للبنزين ولكن بفكرة أقل ما يقال عنها عنصرية. حيث يخرج العربي الذي يرتدي دشداشة وعقال وبجانبه الكثير من المساعدين، وتمشي خلفه مجموعة من النساء المتشحات بالسواد وكأنهن جواري. يرى هذه السيارة فيتجه إليها ويبدأ في ضربها بيديه ثم بحذائه، ويودعها بشتيمة نابية. هكذا يظهر العربي في صورة الهمجي المخرب بذيء اللسان. لاقى هذا الإعلان ردات فعل قوية في الأراضي المحتلة وتحركت عدة جهات حقوقية، ولكن هل أخذت حقها! هذا موضوع آخر، ولكن التأثير الذي حصل والمطالبات التي وصلت إلى الشركة بسحب الإعلان يجعل الأمر يتعدى مقطع فيديو لا تزيد مدته عن 30 ثانية.

إعلان آخر لشركة اتصالات اسرائيلية يصور مجموعة من الجنود الاسرائيلين يقومون بدورية حراسة بجانب الجدار الفاصل، ثم تهبط عليهم كرة من خلف الجدار العازل، فيقوم الجنود بإرجاعها للطرف الآخر، ثم تعود إليهم فيخلعون خوذاتهم ويدخلون في لعبة ركل الكرة مع الطرف الآخر، ثم تنظم إليهم قوات اضافية بها العديد من المجندات الحسناوات ويكملون اللعب. وتظهر في آخر الإعلان عبارة «على أي حال ما الذي نسعى اليه جميعاً؟.. قليل من المتعة فقط»! وينتهي الإعلان، ولكن الزوبعة التي أثارها استمرت طويلا لكثير من مستخدمي خدمات هذه الشركة، فهناك رسائل سياسية موجهة في هذا الإعلان، فهو يسخر من مشاعر الفلسطينين ومعاناتهم داخل الجدار، ويحوله لمجرد لعبة للتسلية.

العلاقة متداخلة بين السياسية والإعلان، فلا يصل الرؤساء والنواب والممثلين السياسيين إلا وهم يتكؤون على العلاقات العامة والإعلان. فباراك أوباما عزز حملته الإعلانية للانتخابات الأمريكية بمجموعة من الإعلانات التيلفزيونية دخلت على المواطن الأمريكي من جانب كان يطلبه، التغيير الذي كان يشع في كل إعلان. مارجت تاشتر هي الأخرى استخدمت سياسة إعلانية قوية في حملتها للوصول إلى رئاسة وزراء بريطانيا. وفي استراليا كنا نقف على محطات القطارات فنرى المرشحين للانتخابات المحلية يحملون إعلانات يوزعونها على الواقفين وكأنهم موظفي مبيعات!

الجمعة، ١٦ أبريل، ٢٠١٠

التنمية.. رصاصة على الفقر والتخلف


قال تعالى:

"إنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيهَا ولا تَعْرَى * وَأنَّكَ لا تَظْمَؤا فِيَها ولا تَضْحَى"

صدق الله العظيم

هكذا كان حال سيدنا آدم في الجنة، ولذلك كانت الجنة جنة. ولذلك أيضا تختلف قوانين الأرض عنها، فعامل الندرة هو ما يجعل هذه الأرض ومن عليها في تفاعل مستمر، وهو ما حفز الإنسان للإعمار وبناء الحضارة.

وعامل الندرة هذا هو ما شكل علم الاقتصاد وتطبيقاته، فهو يبحث عن الاختيار بين البدائل المتاحة. وتتصارع البشرية على العوامل الناضبة في الطبيعة، مثل المزروعات والمعادن وغيرها. فلو كانت جميع الموارد غير ناضبة مثل الشمس وماء البحر لما كانت هناك مشكلة أو حاجة لوجود اقتصاد.

الدول التي فهمت ضرورة الاستفادة من الموارد، وأسست لصناعات أو خدمات تمكنت من بناء اقتصاديات قوية وذلك طبعا في ظل ظروف سياسية واجتماعية مساعدة أدت إلى وجود هذه الدول والأمم في المقدمة وهي دول العالم الأولى. أما الجانب الآخر من العالم فهي تلك الدول التي لم تستطيع بناء اقتصاد فعال وأرغمت أو ارتضت أن تكون دول عالم ثالث تطمح للوصول إلى دول العالم الأول أو على الأقل تنهض من براثن الفقر والتخلف.

إذن فعامل الندرة هو ما يشكل الفقر والغنى، فالجميع يحصلون على قدر متساوي من الموارد الغير ناضبة، ولكن الاختلاف يكون في الموارد الناضبة، والذين يحصلون عليها يكونون في جانب الأغنياء. وهذا يندرج على الأفراد والمجموعات والدول والأمم.

وكانت النظرية القديمة في الاقتصاد تقوم على شمولية النمو، بمعنى أن الغنى هو النتيجة الحتمية للجميع في ظل الانتاج والبيع والتوزيع. ولكن الواقع كان بعيد عن ذلك، فالأغنياء زادوا غنا، والفقراء انتكسوا فقرا. فظهرت الحاجة لوجود قوانين جديدة للتنمية تعمل على تقليص الهوة بين المجتمعين، وتحاول سحب المجتمع الأفقر إلى الأغنى.

وللاقتراب من مفهوم التنمية نلجأ إلى ما أورده الاقتصادي مالكولم جيليس في كتابه التنمية الاقتصادية " Economics of Development "، حيث ضرب مثالا بمزارعين اثنين يزرعان الفول السوداني، أحدهما جون جونستون من جورجيا في الولايات المتحدة الأمريكية، والآخر شيرنو سار من جمهورية السنغال في افريقيا.

في أمريكا يزرع جونستون 54 فدانا من الفول السوداني باستخدام محراث آلي متطور تقنيا، كما يستخدم أساليب حديثة في الزراعة قدمها له مركز البحوث الجامعية الذي تموله الحكومة. كما يستخدم الطائرة لرشد المبيدات الحشرية للمحافظة على جودة المحصول. ويقوم باستخدام أنواع متطورة من السماد المجرب والموثوق.

بعد الحصاد يقوم جونستون ببيع محصوله إلى أحد تاجر الجملة الكثر، والذي يقوم بدوره بتخزين المحصول وبيعه لشركات متخصصة في التسويق والتوزيع. وبذلك يحصل جونستون على سعر أعلى من السعر الدولي للفول السوداني، وذلك لأن حكومة الولايات المتحدة تقوم بالتدخل في تحديد كميات الفول السوداني المستورد، وتضع اشتراطات للمساحة المخصصة لزرع الفول السوداني لكي لا يزيد العرض على الطلب وينخفض السعر. كما تدعم البرامج البحثية والتجارب الزراعية بشكل مستمر، مع العلم أن السوق لا تزال حرة.

في المقابل يقوم المزارع السنغالي شيرنو سار بزراعة المحصول ذاته في مزرعته، ولكنه يستخدم محراثا بدائيا وغير متطور، ولا يمكنه استخدام الأسمدة أوالمبيدات لأنها غير متوفرة وإن توفرت فهو لا يقوى على شرائها. ولذلك تكون النتيجة أن مجمل محصول سار هو خمس محصول جونستون.

لأن سار لا يملك خيارات أخرى يضطر لبيع محصوله للهيئة الحكومية المحتكرة لتصدير الفول السوداني، وتشتريه بثمن بخس لتضمن حصتها. ثم تقوم تلك الهيئة بتخزينه في مخازن بدائية تؤدي إلى تلف جزء من المحصول. كل ذلك يجعل سار وأسرته يعيشون في حالة من الفقر لا يخرجون منها مهما عمل سار واجتهد، فلا كهرباء ولا ماء نظيف ولا نظام تعليمي لأولاده ولا مستشفى يذهبون إليه إن مرضوا.

ولكن المسائلة ليست مسألة فول سوداني لوحده، فالعوامل كلها مترابطة. فللمزارع سار أخوة في العاصمة داكار يعملون في هيئات حكومية ويستلمون رواتب كبيرة ويذهب أبنائهم لمدارس ممتازة ولمستشفيات راقية، وإن كانوا أقلية. ولكن الفول السوداني نفسه الذي يزرعه سار هو من يتكفل بدفع رواتب هذه الأقلية وجعلهم في بحبوحة من العيش.

من الواضح أن النظام السياسي يؤدي إلى تفاوت اقتصادي، فالمزارع الأمريكي جونستون له نائب يمثله في واشنطون العاصمة ويراعي مصالحه كمزارع. ويقوم النواب القادمون من الولايات الزراعية باقتراح القرارات وتمريرها على الحكومة والحصول على الدعم لهذه الشريحة المهمة في المجتمع الأمريكي.

في المقابل سار المسكين لا يمثله أحد ولا يستطيع حتى تمثيل نفسه في العاصمة، على الرغم من أن غالبية المجتمع السنغالي من المزارعين. سار ليست لديه أية طموحات سياسية باستثناء أن يحصل على سعر أفضل لمحصوله ولكن لا يجد لذلك وسيلة.

إن هذه المقارنة ليست مقارنة بين المزارع سار والمزارع جونستون، بل هي مقارنة بين كل مواطن في دول العالم الأول، ومواطن في دول العالم الثالث.

يستعير هذا المثال أيضا الدكتور غازي القصيبي في كتابه: التنمية.. الأسئلة الكبرى، ويخلص القصيبي إلى أن هدف التنمية هي جعل مزارع بسيط مثل سار يحظى بنفس مستوى الدخل والخدمات والرفاهية التي يحصل عليها أخوه في الإنسانية جونستون الأمريكي أو على الأقل يقترب منه. وليس هدف التنمية أن يتحدث سار الإنجليزية بلكنة هوليوود، ولا أن تتحول السنغال إلى ولاية أمريكية. وليس من الضروري أن كل تغيير يعني تنمية، فالتغيير الذي لا يرتكز على الإنسان في كل جوانبه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لا علاقة له بالتنمية.

نعم التنمية طريق صعب، ولكنه ليس بالمستحيل. وقد كانت تطرح نظرية اقتصادية تقول أن التخلف في العالم الثالث طبيعي لأن الجغرافيا هي التي تفرضه، ولا يمكن تغيير الجغرافيا حسب نظرها. فتفترض أن التخلف في آسيا سببه الكثافة السكانية العالية في مقابل الموارد الطبيعية. والتخلف في أفريقيا سببه عدم كفاءة العاملين لاستغلال الثروات. وأما التخلف في أمريكا اللاتينية فيرجع إلى ضعف المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ولكن مهاتير محمد لم يستمع إلى أي من هذه الأصوات المحبطة. بل عمل على إطلاق تنمية اقتصادية وطنية شفافة، اتخذت اجراءات مرة ولكنها كانت ضرورية أدت إلى تقدم ماليزيا ووصولها إلى مرحلة النموذج.

التنمية ممكنة لأن من المستحيل أن يكون الفقر والتخلف هو قدر البشرية.



حملات إعلانية حكومية نمطية جدا

اجتمعت مع زميل استرالي على مقاعد الدراسة، وفي أحد الأحاديث أشار إلى أنه يعمل في قسم التسويق بمصلحة الضرائب الاسترالية. فتساءلت عن سبب وجود قسم للتسويق في مؤسسة يدفع لها المواطنين الأموال بحكم القانون، ومن لا يدفع يعرض نفسه للمحاسبة والسجن.

قال ذات الزميل، نعم يلزم الناس بدفع الضرائب قانونيا، ولكن إن أقنعناهم بالفكرة ليدفعوا بطريقة تلقائية فإن ذلك يوفر علينا الكثير من الوقت والجهد والمال في انتظار جلسات المحاكم.

هكذا لا تنحصر مهمة التسويق في ترويج المنتجات والخدمات التي تنتجها الشركات بل يمتد التسويق ليروج للأفكار والقيم والسلوكيات وحتى السياسات. ولذلك لم يعد التسويق حكرا على عالم التجارة والأعمال بل امتد ليشمل المؤسسات الحكومية والغير ربحية، والتي يمكنها استخدام التسويق لتقديم رسالتها وتنفيذ مهامها بمستويات أعلى من الحرفية والكفاءة. فحين تجد هذه المؤسسات نفسها في اتصال مع الجماهير تكون قوانين التسويق هي الأنسب والأكثر فعالية.

ويؤكد فليب كوتلر في كتابه التسويق للقطاع العام "Marketing in the Public Sector" – بأن القطاع العام يمكن أن يتطور بصورة فعالة أكثر إذا ما استخدم مبادىء التسويق، واستعرض في كتابه العديد من الأمثلة والممارسات الناجحة للتسويق الحكومي.

إذا فالجهات الحكومية ذات التماس المباشر مع المواطنين تعتبر جهات محتملة لاستخدام التسويق لحث عملاءها (المواطنين) لاستخدام خدماتها أو توجيه السلوك الاجتماعي العام.

تطورت السوق العمانية في السنوات الأخير في مجال الحملات التسويقية، فمع دخول شركات عالمية تعمل بمعايير دولية احتدمت المنافسة في مجال المبيعات، وبالطبع يسبق ذلك ويصاحبه ويأتي بعده التسويق. وقد تكون الحملات الإعلانية هي أكثر ممارسات التسويق وضوحا لعامة الناس، فهي تخطط لهم وتستهدفهم وتتعامل معهم. وقد استعارت عدد من الجهات الحكومية الكثير من مباديء التسويق، لذلك قامت بحملات إعلانية ودعائية مختلفة، ولكن هل هي فعالة؟ وهل توصل الرسالة بصورتها الحقيقية؟

استعرض هنا ثلاثة أمثلة على الحمولات الإعلانية الحكومية، أولها حملة الحد من حوادث المرورية، فمنذ سنوات ونحن نرى جهود عدد من الجهات المختصة في مجال السلامة المرورية من خلال حملات إعلانية وإعلامية لوقف النزيف على شوارعنا، ولكن هل عدد ضحايا السيارات في تناقص؟ لماذا لم تزال القنوات التي تستخدم في ايصال الرسالة هي القنوات النمطية من لافتتات الشوارع والجرائد والكتيبات؟ أليست هناك وسائل مبتكرة وأكثر فعالية؟ لماذا الإزدحام في صور اللافتات؟ والصراخ في الإذاعة؟ والمبالغة في التيلفزيون؟ لماذا تستخدم تلك اللهجة التي يضحك عليها الجميع؟

حملة أخرى وطنية هي حملة نعمل التي تتبناها وزارة القوى العاملة. حملة تستهدف الكوادر الشابة في هذا الوطن ولكنها لم تنزل إليهم في مستوياتهم المختلفة؟ لماذا لا تنظم بطولة لكرة القدم الشاطئية؟ أو بطولة للبياردو؟ أو مبادرة لاكتشاف المواهب العلمية؟ لماذا تصر على وضع صفحة اسبوعية في الصحف!! هل يقرأها الشباب؟

وأخيرا حملة مسقط في القلب نظافتها أمانة والتي دشنتها مؤخرا بلدية مسقط، ماذا سحصل لو حذفنا كلمة لماذا والسهم المشير للقمامة من الإعلان؟ صدقوني لن يكون مفهوم أبدا! لماذا في أحد الجسور وضعت اللوحة الإعلانية وفيها الإعلان وشعار حملة مسقط في القلب وشعار البلدية وشعار الشركة المنفذة للإعلان!! ما كل هذا الازدحام!!

ليست هناك وحدة في هذه الحملات مع أنها حملات حكومية بأهداف سامية. أعتقد أن كل حملة حكومية يجب أن تمر على وحدة التسويق والترويج للسلطنة، لأنهم أهل الاختصاص في ذلك. كم من المبالغ التي تصرف على هذه الحملات، هل قام أحد باختبار العائد منها؟

ليس من العيب أن نستعير تجارب الآخرين ونوظفها محليا، العيب أن نحجب الشمس بغربال ونقول بأننا على صواب.

ملاحظة: الصورة من مدونة الصديق: بدر الهنائي http://baderhinai.blogspot.com


أرقام كذابة

يجد الكثير من الناس لغة الأرقام لغة معقدة، ذلك لأنها جافة، وقد تكون صادمة في بعض الأحيان، فهي لا تعترف بجماليات اللغة أو استعاراتها. ولكن الاقتصاديين ورجال الأعمال والمحاسبين والماليين يحبونها ويستمتعون بقراءتها. البعض منهم يتعاملون مع القوائم المالية وكأنها قصيدة غزل!

أما أصحاب المهن والحرف الأخرى فهم يهربون من الأرقام ما استطاعوا ولهم عذرهم، فالبعض حين يجد رقما مكونا من ست خانات أو أكثر تتداخل عليه الأمور. وهذا ما يجعل الاقتصاد لغة صعبة، ولكن الاشكالية الأكبر ليست في عدد الأرقام بل في فهمها ووضعها في إطارها الحقيقي، فهي لا تحتاج إلا القراءة فحسب بل إلى التعمق في مدلولات الأرقام التي نقرأها.

المتتبع لوسائل الإعلام العمانية يرى ضعفا في التعامل مع هذه الأرقام، وكشف دلالاتها، وقد يكون السبب غياب التخصصية في هذا النوع من الإعلام الاقتصادي. ونتذكر هنا بداية هذا العام حين أعلنت الموازنة العامة للدولة لعام 2010، حيث أتت الحاجة لاستخدام لغة الأرقام، ولم يجد الإعلاميون مفردا من تضمين تقاريرهم ومقالاتهم أرقاما من خانات عدة. ولكن للأسف كان يغلب عليها اللغة الانطباعية أكثر من التحليلية، وكانت تعيد ما نشر في الميزانية بدون مقارنات ولا تتبع.

فقراءة الرقم منفصلا دون ربطه بغيره من الأرقام والدلالات لا يعتبر تحليلا صحيحا لذلك الرقم. يقول البعض إن الأرقام لا تكذب، عذرا فحتى الأرقام قد تكون كذابة.

ولنقترب من ذلك بمثال، لو جلسنا 5 أصدقاء على مقهى، وأردنا معرفة متوسط دخل كل منا بالتقريب، فسنقوم بجمع رواتبنا ثم قسمتها على عددنا فيخرج المتوسط، ولنقول أن النتيجة كانت 500 ريال كمتوسط للفرد على هذه الحسبة. في الحقيقة قد يكون أحدنا راتبه 400 ريال وآخر 600 ريال ولكن تبقى النتيجة منطقية. في المقابل لو افترضنا جدلا أن "صديقنا" بيل جايتس صاحب مايكروسوفت انضم لنا على نفس الطاولة وأعدنا الحسبة مرة أخرى وقسمنا مجموع إيراداتنا الشهرية على 6، فمن المحتمل جدا أن يكون متوسط دخلنا الشهري 10,435,736 ريال للفرد!! هنا تكذب الأرقام على الواقع.

ومثال آخر على ذلك بأن تتباهى مؤسسة للضمان الاجتماعي بزيادة عدد المستفيدين من خدماتها، تعتقد هذه المؤسسات أنها تحسن صنعا، ويعتقد مسؤولوها أنهم نجحوا في عملهم، والحقيقة غير ذلك، فهم يؤكدون هنا أن الفقر يزيد في هذه الطبقة، وأن الأداء الاقتصادي والتنموي يتراجع، وهذا فشل في المجمل.

في أحد البرامج الاقتصادية الاسترالية استضاف المذيع الرئيس التنفيذي لشركة شحن معنية بتوصيل هدايا عيد الميلاد بين العملاء، ووجه المذيع سؤالا للرئيس التنفيذي مفاده شكوى الكثير من العملاء من عدم وصول هدايا عيد الميلاد في وقتها بحيث تتأخر كثيرا، ابتسم الرئيس التنفيذي وأكد أن نسبة العملاء الذين تصلهم الهدايا متأخرة هي 3% فقط، وتعد هذه النسبة منخفضة جدا. فتجاوز المذيع هذا السؤال وبعد برهة عاد وسأل الرئيس التنفيذي عن عدد عملائهم، فقال الرئيس التنفيذي بكل فخر 3 ملايين عميل، عندها اجرى المذيع عملية حسابية مفادها، 3% من أصل 3 مليون هذا يعني أن 90,000 عميل لا تصلهم الهدايا في وقتها وهذا رقم كبير جدا، جعل الرئيس التنفيذي يعترف أن لديهم مشكلة.

إذا يجب على الصحافة الاقتصادية أن تلتقط هذه الأرقام وتقارنها مع سابقاتها، وتحول النسب إلى أرقام والأرقام إلى نسب. وهناك جدل كبير في قضية الصحافة المتخصصة، والصحافة الاقتصادية على وجه التجديد، فهل يجب أن يكون الصحفي الاقتصادي خريج إعلام ويمارس الإقتصاد، أو يكون خريج اقتصاد ويمارس الإعلام. لست متأكدا أيهما أفضل، ولكن المهم أن يلم الصحفي الاقتصادي بمعرفة وموهبة مشتركة بين الإثنين.

وقد نظم سوق مسقط للأوراق المالية مؤتمرا قبل سنوات يبحث هذه العلاقة، أيهما أولا الصحافة أم الاقتصاد؟ وما هي التزامات الصحافة تجاه ما ينشر من معلومات قد تؤثرا سلبا على الأسواق المالية والأداء الاقتصادي ككل؟ وما هي مسؤولية الاقتصاديين في اعطاء الصحافة المعلومات الكافية لتصل إلى الناس؟ وما هو الحد الفاصل بين الشائعة والخبر، والذي يؤثر على مؤشر السوق؟

كان المؤتر ثريا، ولكن لم نرى تغيرا في المشهد، فلازلنا نحتاج إلى الكثير من العمل في اطار الحرفية والتخصصية الإعلامية.